الوجه الثاني: أن من الناس من ذهب إلى أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميه معا فهذا القائل قال: دلت الآيات المذكورة على أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء وفي العقد معا ، فكان قوله: { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } نهيا عن الوطء وعن العقد معا ، حملا للفظ على كلا مفهوميه .
الوجه الثالث: في الاستدلال ، وهو قول من يقول: اللفظ المشترك لا يجوز استعماله في مفهوميه معا ، قالوا: ثبت بالدلائل المذكورة أن لفظ النكاح قد استعمل في القرآن في الوطء تارة وفي العقد أخرى ، والقول بالاشتراك والمجاز خلاف الأصل ، ولا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو معنى الضم حتى يندفع الاشتراك والمجاز ، وإذا كان كذلك كان قوله: { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } نهيا عن القدر المشترك بين هذين القسمين ، والنهي عن القدر المشترك بين القسمين يكون نهيا عن كل واحد من القسمين لا محالة ، فان النهي عن التزويج يكون نهيا عن العقد وعن الوطء معا ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا الاستدلال .
والجواب عنه من وجوه: الأول: لا نسلم أن اسم النكاح يقع على الوطء ، والوجوه التي احتجوا بها على ذلك فهي معارضة بوجوه: أحدها: قوله E: «النكاح سنتي» ولا شك أن الوطء من حيث كونه وطأ ليس سنة له ، وإلا لزم أن يكون الوطء بالسفاح سنة له فلما ثبت أن النكاح سنة ، وثبت أن الوطء ليس سنة ، ثبت أن النكاح ليس عبارة عن الوطء ، كذلك التمسك بقوله:"تناكحوا تكثروا"ولو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذنا في مطلق الوطء وكذلك التمسك بقوله تعالى: { وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ } [ النور: 32 ] وقوله: { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } [ النساء: 3 ] .
لا يقال: لما وقع التعارض بين هذه الدلائل فالترجيح معنا ، وذلك لأنا لو قلنا: الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دلائلنا ، ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى .
لأنا نقول: أنتم تساعدون على أن لفظ النكاح مستعمل في العقد ، فلو قلنا: إن النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها ، ولزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النكاح فيها بمعنى العقد ، أما قولنا: ان النكاح فيها بمعنى الوطء فلا يلزمنا التخصيص ، فقولكم يوجب المجاز والتخصيص معا ، وقولنا يوجب المجاز فقط ، فكان قولنا أولى .
الوجه الثاني: من الوجوه الدالة على أن النكاح ليس حقيقة في الوطء قوله E: