فهرس الكتاب

الصفحة 2126 من 8321

« ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح » أثبت نفسه مولودا من النكاح وغير مولود من السفاح ، وهذا يقتضي أن لا يكون السفاح نكاحا ، والسفاح وطء ، فهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحا .

الوجه الثالث: أنه من حلف في أولاد الزنا: أنهم ليسوا أولاد النكاح لم يحنث ، ولو كان الوطء نكاحا لوجب أن يحنث ، وهذا دليل ظاهر على أن الوطء ليس مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة . الثاني: سلمنا أن الوطء مسمى بالنكاح ، لكن العقد أيضًا مسمى به ، فلم كان حمل الآية على ما ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا؟

أما الوجه الأول: وهو الذي ذكره الكرخي فهو في غاية الركاكة ، وبيانه من وجهين: الأول: أو الوطء مسبب العقد ، فكما يحسن إطلاق اسم المسبب على السبب مجازا فكذلك يحسن اطلاق اسم السبب على المسبب مجازا . فكما يحتمل أن يقال: النكاح اسم للوطء ثم أطلق هذا الاسم على العقد لكونه سببا للوطء ، فكذلك يحتمل أن يقال: النكاح اسم للعقد ، ثم أطلق هذا الاسم على الوطء لكون الوطء مسببًا له ، فلم كان أحدهما أولى من الآخر؟ بل الاحتمال الذي ذكرناه أولى ، لأن استلزام السبب للمسبب أتم من استلزام المسبب للسبب المعين ، فانه لا يمتنع أن يكون لحصول الحقيقة الواحدة أسباب كثيرة ، كالملك فانه يحصل بالبيع والهبة والوصية والارث ، ولا شك أن الملازمة شرط لجواز المجاز ، فثبت أن القول بأن اسم النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء ، أولى من عكسه .

الوجه الثاني: أن النكاح لو كان حقيقة في الوطء مجازا في العقد ، وقد ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه معا ، فحينئذ يلزم أن لا تكون الآية دالة على حكم العقد ، وهذا وإن كان قد التزمه الكرخي لكنه مدفوع بالدليل القاطع ، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية هو أنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم ، وأجمع المسلمون على أن سبب نزول الآية لا بد وأن يكون داخلا تحت الآية ، بل اختلفوا في أن غيره هل يدخل تحت الآية أم لا؟ وأما كون سبب النزول داخلا فيها فذاك مجمع عليه بين الأمة ، فاذا ثبت باجماع المفسرين ، أن سبب نزول هذه الآية هو العقد لا الوطء ، وثبت باجماع المسلمين أن سبب النزول لا بد وأن يكون مرادًا ، ثبت بالاجماع أن النهي عن العقد مراد من هذه الآية ، فكان قول الكرخي واقعا على مضادة هذا الدليل القاطع ، فكان فاسدًا مردودا قطعا .

أما الوجه الثاني: مما ذكروه وهو أنا نحمل لفظ النكاح على مفهوميه ، فنقول: هذا أيضا باطل ، وقد بينا وجه بطلانه في أصول الفقه .

وأما الوجه الثالث: فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب ، وهو أيضًا ضعيف لأن الضم الحاصل في الوطء عبارة عن تجاور الأجسام وتلاصقها ، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك لأن الايجاب والقبول أصوات غير باقية ، فمعنى الضم والتلاقي والتجاور فيها محال ، وإذا كان كذلك ثبت أنه ليس بين الوطء وبين العقد مفهوم مشترك حتى يقال: إن لفظ النكاح حقيقة فيه ، فاذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: لفظ النكاح مشترك بين الوطء وبين العقد ، ويقال: إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ، وحينئذ يرجع الكلام إلى الوجهين الأولين ، فهذا هو الكلام الملخص في هذا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت