الوجه الثاني: في الجواب عن هذا الاستدلال أن نقول: سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ، ولكن لم قلتم: إن قوله: { مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } المراد منه المنكوحة ، والدليل عليه إجماعهم على أن لفظه «ما» حقيقة في غير العقلاء ، فلو كان المراد منه ههنا المنكوحة لزم هذا المجاز ، وإنه خلاف الأصل ، بل أهل العربية اتفقوا على أن «ما» مع بعدها في تقدير المصدر ، فتقدير الآية: ولا تنكحوا نكاح آبائكم ، وعلى هذا يكون المراد منه النهي عن أن تنكحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم ، فان أنكحتهم كانت بغير ولي ولا شهود ، وكانت موقتة ، وكانت على سبيل القهر والالجاء ، فالله تعالى نهاهم بهذه الآية عن مثل هذه الأنكحة ، وهذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية .
الوجه الثالث: في الجواب عن هذا الاستدلال: سلمنا أن المراد من قوله: { مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } المنكوحة ، والتقدير: ولا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكن قوله: من نكح آباؤكم ليس صريحا في العموم بدليل أنه يصح إدخال لفظي الكل والبعض عليه ، فيقال: ولا تنكحوا كل ما نكح آباؤكم ولا تنكحوا بعض من نكح آباؤكم ، ولو كان هذا صريحا في العموم لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريرًا ، وإدخال لفظ البعض عليه نقصا ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فثبت أن قوله: { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } لا يفيد العموم ، وإذا لم يفد العموم لم يتناول محل النزاع .
لا يقال: لو لم يفد العموم لم يكن صرفه إلى بعض الأقسام أولى من صرفه الى الباقي ، فحينئذ يصير مجملا غير مفيد ، والأصل أن لا يكون كذلك .
لأنا نقول: لا نسلم أن بتقدير أن لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره ، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزوله إنما هو التزوج بزوجات الآباء ، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى ، وبهذا التقدير لا يلزم كون الآية مجملة ، ولا يلزم كونها متناولة لمحل النزاع .
الوجه الرابع: سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النزاع ، لكن لم قلتم: إنه يفيد التحريم؟ أليس أن كثيرا من أقسام النهي لا يفيد التحريم ، بل يفيد التنزيه ، فلم قلتم: إنه ليس الأمر كذلك؟ أقصى ما في الباب أن يقال: هذا على خلاف الأصل ، ولكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل ، وسنذكر دلائل صحة هذا النكاح إن شاء الله تعالى .