فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 8321

فإن قيل: فعلى هذا: الرحمن أعظم: فلم ذكر الأدنى بعد ذكر الأعلى؟ .

والجواب: لأن الكبير العظيم لا يطلب منه الشيء الحقير اليسير ، حكي أن بعضهم ذهب إلى بعض الأكابر فقال: جئتك لمهم يسير فقال: اطلب للمهم اليسير رجلًا يسيرًا ، كأنه تعالى يقول: لو اقتصرت على ذكر الرحمن لاحتشمت عني ولتعذر عليك سؤال الأمور اليسيرة ، ولكن كما علمتني رحمانًا تطلب مني الأمور العظيمة ، فأنا أيضًا رحيم؛ فاطلب مني شراك نعلك وملح قدرك ، كما قال تعالى لموسى: «يا موسى سلني عن ملح قدرك وعلف شاتك» .

الفائدة الثالثة: وصف نفسه بكونه رحمانًا رحيمًا ، ثم إنه أعطى مريم عليها السلام رحمة واحدة حيث قال: { وَرَحْمَةً مّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا } [ مريم: 21 ] فتلك الرحمة صارت سببًا لنجاتها من توبيخ الكفار الفجّار ، ثم أنا نصفه كل يوم أربعة وثلاثين مرة أنه رحمن وأنه رحيم ، وذلك لأن الصلوات سبع عشرة ركعة ، ويقرأ لفظ الرحمن الرحيم في كل ركعة مرتين مرة في بسم الله الرحمن الرحيم ومرة في قوله: { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين الرحمن الرحيم } [ الفاتحة: 1 ، 2 ] فلما صار ذكر الرحمة مرة واحدة سببًا لخلاص مريم عليها السلام عن المكروهات أفلا يصير ذكر الرحمة هذه المرات الكثيرة طول العمر سببًا لنجاة المسلمين من النار والعار والدمار؟ .

الفائدة الرابعة: أنه تعالى رحمن لأنه يخلق ما لا يقدر العبد عليه ، رحيم لأنه يفعل ما لا يقدر العبد على جنسه ، فكأنه تعالى يقول: أنا رحمن لأنك تسلم إلى نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة ، كما قال تعالى: { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } [ غافر: 64 ] وأنا رحيم لأنك تسلم إلى طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة .

الفائدة الخامسة: روي أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله فأتوا النبي A وأخبروه به ، فقام ودخل عليه ، وجعل يعرض عليه الشهادة وهو يتحرك ويضطرب ولا يعمل لسانه فقال النبي A:"أما كان يصلي؟ أما كان يصوم؟ أما كان يزكي؟"فقالوا: بلى ، فقال:"هل عق والديه؟"فقالوا: بلى ، فقال عليه السلام:"هاتوا بأمه"، فجاءت وهي عجوز عوراء فقال عليه السلام: «هلا عفوت عنه» ، فقالت: لا أعفو لأنه لطمني ففقأ عيني ، فقال عليه السلام:"هاتوا بالحطب والنار"، فقالت: وما تصنع بالنار؟ فقال عليه السلام:"أحرقه بالنار بين يديك جزاء لما عمل بك"، فقالت: عفوت عفوت ، أللنار حملته تسعة أشهر؟ أللنار أرضعته سنتين؟ فأين رحمة الأم؟ فعند ذلك انطلق لسانه ، وذكر أشهد أن لا إله إلا الله ، والنكتة أنها كانت رحيمة وما كانت رحمانة فلأجل ذلك القدر القليل من الرحمة ما جوزت الإحراق بالنار ، فالرحمن الرحيم الذي لم يتضرر بجنايات عبيده مع عنايته بعباده كيف يستجيز أن يحرق المؤمن الذي واظب على شهادة أن لا إله إلا الله سبعين سنة بالنار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت