فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 8321

الفائدة السادسة: لقد اشتهر أن النبي عليه السلام لما كسرت رباعيته قال: « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » ، فظهر أنه يوم القيامة يقول: « أمتي ، أمتي » ، فهذا كرم عظيم منه في الدنيا وفي الآخرة ، وإنما حصل فيه هذا الكرم وهذا الإحسان لكونه رحمة كما قال تعالى: { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } فإذا كان أثر الرحمة الواحدة بلغ هذا المبلغ فكيف كرم من هو رحمن رحيم؟ وأيضًا روي أنه عليه السلام قال: « اللهم اجعل حساب أمتي على يدي » ، ثم إنه امتنع عن الصلاة على الميت لأجل أنه كان مديونًا بدرهمين ، وأخرج عائشة / عن البيت بسبب الإفك فكأنه تعالى قال له إن لك رحمة واحدة وهي قوله: { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء: 107 ] والرحمة الواحدة لا تكفي في إصلاح عالم المخلوقات ، فذرني وعبيدي واتركني وأمتك فإني أنا الرحمن الرحيم ، فرحمتي لا نهاية لها ، ومعصيتهم متناهية ، والمتناهي في جنب غير المتناهي يصير فانيًا ، فلا جرم معاصي جميع الخلق تفنى في بحار رحمتي ، لأني أنا الرحمن الرحيم .

الفائدة السابعة: قالت القدرية: كيف يكون رحمانًا رحيمًا من خلق الخلق للنار ولعذاب الأبد؟ وكيف يكون رحمانًا رحيمًا من يخلق الكفر في الكافر ويعذبه عليه؟ وكيف يكون رحمانًا رحيمًا من أمر بالإيمان ثم صد ومنع عنه؟ وقالت الجبرية: أعظم أنواع النعمة والرحمة هو الإيمان فلو لم يكن الإيمان من الله بل كان من العبد لكان اسم الرحمن الرحيم بالعبد أولى منه بالله ، والله أعلم .

الفصل الرابع

في تفسير قوله { مالك يوم الدين } ، وفيه فوائد:

تفسير ( مالك يوم الدين ) :

الفائدة الأولى: قوله مالك يوم الدين ، أي: مالك يوم البعث والجزاء ، وتقريره أنه لا بدّ من الفرق بين المحسن والمسيء ، والمطيع والعاصي ، والموافق والمخالف ، وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء كما قال تعالى: { لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى } [ النجم: 31 ] وقال تعالى: { أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِى الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار } [ ص: 28 ] وقال: { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى } [ طه: 15 ] واعلم أن من سلط الظالم على المظلوم ثم إنه لا ينتقم منه فذاك إما للعجز أو للجهل أو لكونه راضيًا بذلك الظلم ، وهذه الصفات الثلاث على الله تعالى محال ، فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين ، ولما لم يحصل هذا الانتقام في دار الدنيا وجب أن يحصل في دار الأخرى بعد دار الدنيا ، وذلك هو المراد بقوله: { مالك يَوْمِ الدين } [ الفاتحة: 4 ] وبقوله: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت