فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 8321

[ الزلزلة: 7 ] الآية روي أنه يجاء برجل يوم القيامة فينظر في أحوال نفسه فلا يرى لنفسه حسنة ألبتة ، فيأتيه النداء ، يا فلان أدخل الجنة بعملك ، فيقول: إلهي ، ماذا عملت؟ فيقول الله تعالى: ألست لما كنت نائمًا تقلبت من جنب إلى جنب ليلة كذا فقلت في خلال ذلك «الله» ثم غلبك النوم في الحال فنسيت ذلك أما أنا فلا تأخذني سنة ولا نوم فما نسيت ذلك ، وأيضًا يؤتى برجل وتوزن حسناته وسيئاته فتخف حسناته فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة أن لا إله إلا الله فلا يثقل مع ذكر الله غيره .

واعلم أن الواجبات على قسمين: حقوق الله تعالى ، وحقوق العباد: أما حقوق الله تعالى فمبناها على المسامحة لأنه تعالى غني عن العالمين ، وأما حقوق العباد فهي التي يجب الاحتراز عنها .

روي أن أبا حنيفة Bه كان له على بعض المجوس مال فذهب إلى داره ليطالبه به ، فلما وصل إلى باب داره وقع على نعله نجاسة ، فنفض نعله فارتفعت النجاسة عن فعله ووقعت على حائط دار المجوسي فتحير أبو حنيفة وقال: إن تركتها كان ذلك سببًا لقبح جدار هذا المجوسي ، وإن حككتها انحدر التراب من الحائط ، فدق الباب فخرجت الجارية فقال لها: قولي لمولاك إن أبا حنيفة بالباب ، فخرج إليه وظن أنه يطالبه بالمال ، فأخذ يعتذر ، فقال أبو حنيفة Bه ، ههنا ما هو أولى ، وذكر قصة الجدار ، وأنه كيف السبيل إلى تطهيره فقال المجوسي: فأنا أبدأ بتطهير نفسي فأسلم في الحال ، والنكتة فيه أن أبا حنيفة لما احترز عن ظلم المجوسي في ذلك القدر القليل من الظلم فلأجل تركه ذلك انتقل المجوسي من الكفر إلى الإيمان ، فمن احترز عن الظلم كيف يكون حاله عند الله تعالى .

الفائدة الثانية: اختلف القراء في هذه الكلمة ، فمنهم من قرأ مالك يوم الدين ، ومنهم من قرأ ملك يوم الدين . حجة من قرأ مالك وجوه: الأول: أن فيه حرفًا زائدًا فكانت قراءته أكثر ثوابًا . الثاني: أنه يحصل في القيامة ملوك كثيرون ، أما المالك الحق ليوم الدين فليس إلا الله . الثالث: المالك قد يكون ملكًا وقد لا يكون كما أن الملك قد يكون مالكًا وقد لا يكون فالملكية والمالكية قد تنفك كل واحدة منهما عن الأخرى إلا أن المالكية سبب لإطلاق التصرف ، والملكية ليست كذلك فكان المالك أولى . الرابع: إن الملك ملك للرعية ، والمالك مالك للعبيد ، والعبد أدون حالًا من الرعية ، فوجب أن يكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية ، فوجب أن يكون المالك أعلى حالًا من الملك ، الخامس: أن الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك باختيار أنفسهم ، أما المملوك فلا يمكنه إخراج نفسه عن كونه مملوكًا لذلك المالك باختيار نفسه ، فثبت أن القهر في المالكية أكمل منه في الملكية . السادس: أن الملك يجب عليه رعاية حال الرعية ، قال E وكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته ، ولا يجب على الرعية خدمة الملك . أما المملوك فإنه يجب عليه خدمة المالك وأن لا يستقل بأمر إلا بإذن مولاه ، حتى إنه لا يصح منه القضاء والإمامة والشهادة وإذا نوى مولاه السفر يصير هو مسافرًا ، وإن نوى مولاه الإقامة صار هو مقيمًا؛ فعلمنا أن الانقياد والخضوع في المملوكية أتم منه في كونه رعية ، فهذه هي الوجوه الدالة على أن المالك أكمل من الملك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت