فهرس الكتاب

الصفحة 2158 من 8321

[ النساء: 4 ] أما لو حملنا هذه الآية على بيان نكاح المتعة كان هذا حكما جديدا ، فكان حمل الآية عليه أولى والله أعلم .

الحجة الثانية على جواز نكاح المتعة: أن الأمة مجمعة على أن نكاح المتعة كان جائزا في الاسلام ، ولا خلاف بين أحد من الأمة فيه ، إنما الخلاف في طريان الناسخ ، فنقول: لو كان الناسخ موجودا لكان ذلك الناسخ إما أن يكون معلوما بالتواتر ، أو بالآحاد ، فان كان معلوما بالتواتر ، كان علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس وعمران بن الحصين منكرين لما عرف ثبوته بالتواتر من دين محمد A ، وذلك يوجب تكفيرهم ، وهو باطل قطعا ، وإن كان ثابتا بالآحاد فهذا أيضا باطل ، لأنه لما كان ثبوت إباحة المتعة معلوما بالاجماع والتواتر ، كان ثبوته معلوما قطعا ، فلو نسخناه بخبر الواحد لزم جعل المظنون رافعًا للمقطوع وإنه باطل . قالوا: ومما يدل أيضا على بطلان القول بهذا النسخ أن أكثر الروايات أن النبي A نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر ، وأكثر الروايات أنه E أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح ، وهذان اليومان متأخران عن يوم خيبر ، وذلك يدل على فساد ما روي أنه عليه السلام نسخ المتعة يوم خيبر ، لأن الناسخ يمتنع تقدمه على المنسوخ ، وقول من يقول: انه حصل التحليل مرارًا والنسخ مرارًا ضعيف ، لم يقل به أحد من المعتبرين ، إلا الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات .

الحجة الثالثة: ما روي أن عمر Bه قال على المنبر: متعتان كانتا مشروعتين في عهد رسول الله A ، وأنا أنهي عنهما: متعة الحج ، ومتعة النكاح ، وهذا منه تنصيص على أن متعة النكاح كانت موجودة في عهد الرسول A ، وقوله: وأنا أنهي عنهما يدل على أن الرسول A ما نسخه ، وإنما عمر هو الذي نسخه . وإذا ثبت هذا فنقول: هذا الكلام يدل على أن حل المتعة كان ثابتا في عهد الرسول A ، وأنه عليه السلام ما نسخه ، وأنه ليس ناسخ الا نسخ عمر ، وإذا ثبت هذا وجب أن لا يصير منسوخا لأن ما كان ثابتا في زمن الرسول A وما نسخه الرسول ، يمتنع أن يصير منسوخا بنسخ عمر ، وهذا هو الحجة التي احتج بها عمران بن الحصين حيث قال: ان الله أنزل في المتعة آية وما نسخها بآية أخرى ، وأمرنا رسول الله A بالمتعة وما نهانا عنها ، ثم قال رجل برأيه ما شاء ، يريد أن عمر نهى عنها ، فهذا جملة وجوه القائلين بجواز المتعة .

والجواب عن الوجه الأول أن نقول: هذه الآية مشتملة على أن المراد منها نكاح المتعة وبيانه من ثلاثة أوجه: الأول: أنه تعالى ذكر المحرمات بالنكاح أولا في قوله: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } ثم قال في آخر الآية: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } فكان المراد بهذا التحليل ما هو المراد هناك بهذا التحريم ، لكن المراد هناك بالتحريم هو النكاح ، فالمراد بالتحليل ههنا أيضا يجب أن يكون هو النكاح . الثاني: أنه قال: { مُّحْصِنِينَ } والاحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح . والثالث: قوله: { غَيْرَ مسافحين } سمى الزنا سفاحا لأنه لا مقصود فيه إلا سفح الماء ، ولا يطلب فيه الولد وسائر مصالح النكاح ، والمتعة لا يراد منها إلا سفح الماء فكان سفاحا ، هذا ما قاله أبو بكر الرازي . أما الذي ذكره في الوجه الأول: فكأنه تعالى ذكر أصناف من يحرم على الانسان وطؤهن ، ثم قال: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } أي وأحل لكم وطء ما وراء هذه الأصناف ، فأي فساد في هذا الكلام؟ وأما قوله ثانيًا: الاحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح فلم يذكر عليه دليلا ، وأما قوله ثالثًا: الزنا إنما سمي سفاحا ، لأنه لا يراد منه إلا سفح الماء ، والمتعة ليست كذلك ، فان المقصود منها سفح الماء بطريق مشروع مأذون فيه من قبل الله ، فان قلتم: المتعة محرمة ، فنقول: هذا أول البحث ، فلم قلتم: إن الأمر كذلك ، فظهر أن الكلام رخو ، والذي يجب أن يعتمد عليه في هذا الباب أن نقول: إنا لا ننكر أن المتعة كانت مباحة ، إنما الذي نقوله: إنها صارت منسوخة ، وعلى هذا التقدير فلو كانت هذه الآية دالة على أنها مشروعة لم يكن ذلك قادحا في غرضنا ، وهذا هو الجواب أيضا عن تمسكهم بقراءة أبي وابن عباس ، فان تلك القراءة بتقدير ثبوتها لا تدل إلا على أن المتعة كانت مشروعة ، ونحن لا ننازع فيه ، إنما الذي نقوله: إن النسخ طرأ عليه ، وما ذكرتم من الدلائل لا يدفع قولنا ، وقولهم: الناسخ إما أن يكون متواترًا أو آحادا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت