فهرس الكتاب

الصفحة 2160 من 8321

ثم قال تعالى: { فآتوهن أجورهن فريضة } والمعنى أن إيتاءهن أجورهن ومهورهن فريضة لازمة وواجبة ، وذكر صاحب «الكشاف» في قوله: { فَرِيضَةً } ثلاثة أوجه: أحدها: أنه حال من الأجور بمعنى مفروضة . وثانيها: أنها وضعت موضع إيتاء ، لأن الايتاء مفروض . وثالثها: أنه مصدر مؤكد ، أي فرض ذلك فريضة .

ثم قال تعالى: { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } .

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان حكم النكاح قالوا: المراد أنه إذا كان المهر مقدرا بمقدار معين ، فلا حرج في أن تحط عنه شيئا من المهر أو تبرئه عنه بالكلية ، فعلى هذا: المراد من التراضي الحط من المهر أو الابراء عنه ، وهو كقوله تعالى: { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا } [ النساء: 4 ] وقوله: { إَّلا أَن يَعْفُونَ أَوْ يعفوالذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } [ البقرة: 237 ] وقال الزجاج معناه: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها ، أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول . وأما الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان المتعة قالوا: المراد من هذه الآية أنه إذا انقضى أجل المتعة لم يبق للرجل على المرأة سبيل ألبتة ، فان قال لها: زيديني في الأيام وأزيدك في الأجرة كانت المرأة بالخيار ، إن شاءت فعلت ، وإن شاءت لم تفعل ، فهذا هو المراد من قوله: { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة } أي من بعد المقدار المذكور أولا من الأجر والأجل .

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة Bه: إلحاق الزيادة في الصداق جائز ، وهي ثابتة ان دخل بها أو مات عنها ، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة ، وكان لها نصف المسمى في العقد . وقال الشافعي رحمة الله عليه: الزيادة بمنزلة الهبة ، فإن أقبضها ملكته بالقبض ، وإن لم يقبضها بطلت . احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقوله: { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة } يتناول ما وقع التراضي به في طرفي الزيادة والنقصان ، فكان هذا بعمومه يدل على جواز إلحاق الزيادة بالصداق ، قال: بل هذه الآية بالزيادة أخص منها بالنقصان؛ لأنه تعالى علقه بتراضيهما ، والبراءة والحط لا يحتاج إلى رضا الزوج ، والزيادة لا تصح إلا بقبوله ، فاذا علق ذلك بتراضيهما جميعا دل على أن المراد هو الزيادة .

والجواب: لم لا يجوز أن تكون الزيادة عبارة عما ذكره الزجاج؟ وهو أنه إذا طلقها قبل الدخول ، فإن شاءت المرأة أبرأته عن النصف ، وان شاء الزوج سلم اليها كل المهر ، وبهذا التقدير يكون قد زادها عما وجب عليه تسليمه اليها ، وأيضا عندنا أنه لا جناح في تلك الزيادة إلا أنها تكون هبة . والدليل القاطع على بطلان هذه الزيادة أن هذه الزيادة لو التحقت بالأصل لكان إما مع بقاء العقد الأول ، أو بعد زوال العقد ، والأول باطل ، لأن العقد لما انعقد على القدر الأول ، فلو انعقد مرة أخرى على القدر الثاني ، لكان ذلك تكوينا لذلك العقد بعد ثبوته ، وذلك يقتضي تحصيل الحاصل وهو محال . والثاني باطل لانعقاد الاجماع على أن عند إلحاق الزيادة لا يرتفع العقد الأول ، فثبت فساد ما قالوه والله أعلم . ثم إنه تعالى لما ذكر في هذه الآية أنواعا كثيرة من التكاليف والتحريم والاحلال ، بين أنه عليم بجميع المعلومات لا يخفى عليه منها خافية أصلا ، وحكيم لا يشرع الأحكام إلا على وفق الحكمة ، وذلك يوجب التسليم لأوامره والانقياد لأحكامه والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت