المسألة السادسة: قال الشافعي Bه: المستحب أن يبعث الحاكم عدلين ويجعلهما حكمين ، والأولى أن يكون واحد من أهله وواحد من أهلها ، لأن أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب ، وأشد طلبًا للصلاح ، فان كانا أجنبيين جاز . وفائدة الحكمين أن يخلو كل واحد منهما بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال ، ليعرف أن رغبته في الإقامة على النكاح ، أو في المفارقة ، ثم يجتمع الحكمان فيفعلان ما هو الصواب من إيقاع طلاق أو خلع .
المسألة السابعة: هل يجوز للحكمين تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذنهما ، مثل أن يطلق حكم الرجل ، أو يفتدى حكم المرأة بشيء من مالها؟ للشافعي فيه قولان: أحدهما: يجوز ، وبه قال مالك واسحق . والثاني: لا يجوز ، وهو قول أبي حنيفة . وعلى هذا هو وكالة كسائر الوكالات وذكر الشافعي Bه حديث علي Bه ، وهو ما روى ابن سيرين عن عبيدة أنه قال جاء رجل وامرأة إلى علي Bه ، ومع كل واحد منهما جمع من الناس ، فأمرهم علي بأن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ، ثم قال للحكمين: تعرفان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا ، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا ، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله تعالى فيما علي ولي فيه . فقال الرجل: أما الفرقة فلا ، فقال علي: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به . قال الشافعي Bه: وفي هذا الحديث لكل واحد من القولين دليل .
أما دليل القول الأول فهو أنه بعث من غير رضا الزوجين وقال: عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا ، وأقل ما في قوله: عليكما ، أن يجوز لهما ذلك .
وأما دليل القول الثاني: أن الزوج لما لم يرض توقف على ، ومعنى قوله: كذبت ، أي لست بمنصف في دعواك حيث لم تفعل ما فعلت هي . ومن الناس من احتج للقول الأول بأنه تعالى سماهما حكمين . والحكم هو الحاكم وإذا جعله حاكما فقد مكنه من الحكم ، ومنهم من احتج للقول الثاني بأنه تعالى لما ذكر الحكمين ، لم يضف إليهما إلا الإصلاح ، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الاصلاح غير مفوض اليهما .
المسألة الثامنة: قوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } أي شقاقا بين الزوجين ، ثم إنه وإن لم يجر ذكرهما إلا أنه جرى ذكر ما يدل عليهما ، وهو الرجال والنساء .
ثم قال تعالى: { إِن يُرِيدَا إصلاحا يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في قوله: { إِن يُرِيدَا } وجوه: الأول: إن يرد الحكمان خيرا وإصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير . الثاني: إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين . الثالث: إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين . الرابع: إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح ، ولا شك أن اللفظ محتمل لكل هذه الوجوه .