فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 8321

فإن قيل: إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم في التسمية مرة واحدة ، وفي السورة مرة ثانية فالتكرير فيهما حاصل وغير حاصل في الأسماء الثلاثة فما الحكمة؟ .

قلنا: التقدير كأنه قيل: أذكر أني إله ورب مرة واحدة ، وأذكر أني رحمن رحيم مرتين لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور ، ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال: لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ، ونظيره قوله تعالى: { غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِى الطول } [ غافر: 3 ] .

الفائدة الخامسة: قالت القدرية: إن كان خالق أعمال العباد هو الله امتنع القول بالثواب والعقاب والجزاء؛ لأن ثواب الرجل على ما لم يعمله عبث ، وعقابه على ما لم يعمله ظلم ، وعلى هذا التقدير فيبطل كونه مالكًا ليوم الدين ، وقالت الجبرية: لو لم تكن أعمال العباد بتقدير الله وترجيحه لم يكن مالكًا لها ، ولما أجمع المسلمون على كونه مالكًا للعباد ولأعمالهم؛ علمنا أنه خالق لها مقدر لها ، والله أعلم .

الفصل الخامس

في تفسير قوله إياك نعبد وإياك نستعين وفيه فوائد

معنى قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } :

الفائدة الأولى: العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير ، وهو مأخوذ من قولهم: طريق معبد ، أي مذلل ، واعلم أن قولك إياك نعبد معناه لا أعبد أحدًا سواك ، والذي يدل على هذا الحصر وجوه: الأول: أن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم ، وهي لا تليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام ، وأعظم وجوه الإنعام الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع وخلق المنتفع به ، فالمرتبة الأولى وهي الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع وإليها الإشارة بقوله تعالى: { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } [ مريم: 9 ] وقوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } [ البقرة: 28 ] الآية والمرتبة الثانية وهي خلق المنتفع به وإليها الإشارة بقوله تعالى: { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعًا } [ البقرة: 29 ] ولما كانت المصالح الحاصلة في هذا العالم السفلي إنما تنتظم بالحركات الفلكية على سبيل إجراء العادة لا جرم أتبعه بقوله: { ثُمَّ استوى إِلَى السماء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } [ البقرة: 29 ] فثبت بما ذكرنا أن كل النعم حاصل بإيجاد الله تعالى ، فوجب أن لا تحسن العبادة إلا لله تعالى ، فلهذا المعنى قال إياك نعبد ، فإن قوله إياك نعبد يفيد الحصر . الوجه الثاني: في دلائل هذاالحصر والتعيين: وذلك لأنه تعالى سمى نفسه ههنا بخمسة أسماء: الله ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، ومالك يوم الدين ، وللعبد أحوال ثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل: أما الماضي فقد كان معدومًا محضًا كما قال تعالى: { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } [ مريم: 9 ] وكان ميتًا فأحياه الله تعالى كما قال: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم }

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت