المسألة الخامسة: قال صاحب «الكشاف» : قرىء { سكارى } بفتح السين و ( سكرى ) على أن يكون جمعا نحو: هلكى ، وجوعى .
ثم قال تعالى: { وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } قوله: { وَلاَ جُنُبًا } عطف على قوله: { وَأَنتُمْ سكارى } والواو ههنا للحال ، والتقدير: لا تقربوا الصلاة حال ما تكونون سكارى ، وحال ما تكونون جنبا ، والجنب يستوي فيه الواحد والجمع ، المذكر والمؤنث ، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الأجناب . وقد ذكرنا أن أصل الجنابة البعد ، وقيل للذي يجب عليه الغسل: جنب ، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر . ثم قال: { إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } وقد ذكرنا أن فيه قولين: أحدهما: أن هذا العبور المراد منه العبور في المسجد . الثاني: أن المراد بقوله: { إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } المسافرون ، وبينا كيفية ترجيح أحدهما على الآخر .
قوله تعالى: { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوًا غفورًا } .
اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أصنافًا أربعة: المرضى ، والمسافرين ، والذين جاؤا من الغائط ، والذين لامسوا النساء .
فالقسمان الأولان: يلجئان إلى التيمم ، وهما المرض والسفر .
والقسمان الأخيران: يوجبان التطهر بالماء عند وجود الماء ، وبالتيمم عند عدم الماء ، ونحن نذكر حكم كل واحد من هذه الأقسام:
أما السبب الأول: هو المرض ، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون بحيث لو استعمل الماء لمات ، كما في الجدري الشديد والقروح العظيمة ، وثانيها ، أن لا يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة . وثالثها: أن لا يخاف الموت والآلام الشديدة . لكنه يخاف بقاء شين أو عيب على البدن ، فالفقهاء جوزوا التيمم في القسمين الأولين ، وما جوزوه في القسم الثالث وزعم الحسن البصري أنه لا يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء ، بدليل أنه شرط جواز التيمم للمريض بعدم وجدان الماء ، بدليل أنه قال في آخر الآية: { فلم تجدوا ماء } وإذا كان هذا الشرط معتبرًا في جواز التيمم ، فعند فقدان هذا الشرط وجب أن لا يجوز التيمم ، وهو إيضًا قول ابن عباس . وكان يقول: لو شاء الله لابتلاه بأشد من ذلك . ودليل الفقهاء أنه تعالى جوز التيمم للمريض إذا لم يجد الماء ، وليس فيه دلالة على منعه من التيمم عند وجوده ، ثم قد دلت السنة على جوازه ، ويؤيده ما روي عن بعض الصحابة أنه أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة ، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال ، فلما اغتسل مات ، فسمع النبي A ، فقال: قتلوه قتلهم الله ، فدل ذلك على جواز ما ذكرناه .