المسألة الثانية: ذكروا في هذا الملك وجوها: الأول اليهود كانوا يقولون نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب؟ فأبطل الله عليهم قولهم في هذه الآية . الثاني: أن اليهود كانوا يزعمون أن الملك يعود اليهم في آخر الزمان ، وذلك أنه يخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودولتهم ويدعو إلى دينهم ، فكذبهم الله في هذه الآية . الثالث: المراد بالملك ههنا التمليك ، يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك اليهم ، ولو كان التمليك اليهم لبخلوا بالنقير والقطمير ، فكيف يقدرون على النفي والاثبات . قال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال ، وكانوا في عزة ومنعة ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل ، فنزلت هذه الآية .
المسألة الثالثة: أنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم ، وهذا يدل على أن الملك والبخل لا يجتمعان ، وتحقيق الكلام فيه من حيث العقل أن الانقياد للغير أمر مكروه لذاته ، والانسان لا يتحمل المكروه إلا إذا وجد في مقابلته أمرًا مطلوبا مرغوبا فيه ، وجهات الحاجات محيطة بالناس ، فاذا صدر من إنسان احسان إلى غيره صارت رغبة المحسن اليه في ذلك المال سببا لصيرورته منقادا مطيعا له ، فلهذا قيل: بالبر يستعبد الحر ، فاذا لم يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا عن المعارض ، فلا يحصل الانقياد ألبتة ، فثبت أن الملك والبخل لا يجتمعان ثم ان الملك على ثلاثة أقسام: ملك على الظواهر فقط ، وهذا هو ملك الملوك ، وملك على البواطن فقط ، وهذا هو ملك العلماء ، وملك على الظواهر والبواطن معًا ، وهذا هو ملك الأنبياء صلوات الله عليهم . فاذا كان الجود من لوازم الملك وجب في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا في غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة ، ليصير كل واحد من هذه الاخلاق سببا لانقياد الخلق لهم ، وامتثالهم لأوامرهم . وكمال هذه الصفات حاصل لمحمد E .
المسألة الرابعة: قال سيبويه: «إذن» في عوامل الأفعال بمنزلة «أظن» في عوامل الأسماء ، وتقريره أن الظن إذا وقع في أول الكلام نصب لا غير ، كقولك أظن زيدا قائما ، وإن وقع في الوسط جاز إلغاؤه وإعماله ، كقوله: زيد أظن قائم ، وإن شئت قلت زيدًا أظن قائمًا ، وإن تأخر فالأحسن إلغاؤه ، تقول زيد منطلق ظننت ، والسبب فيما ذكرناه أن «ظن» وما أشبهه من الأفعال نحو علم وحسب ضعيفة في العمل ، لأنها لا تؤثر في معمولاتها ، فاذا تقدم دل التقديم في الذكر على شدة العناية فقوي على التأثير ، وإذا تأخر دل على عدم العناية فلغا ، وإن توسط فحينئذ لا يكون في محل العناية من كل الوجوه ، ولا في محل الاهمال من كل الوجوه ، بل كانت كالمتوسطة في هاتين الحالتين فلا جرم كان الاعمال والالغاء جائزا .