فهرس الكتاب

الصفحة 2253 من 8321

[ المائدة: 45 ] وإذا وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم انا لا نحكم به بل حكمنا بالقياس لزم الدخول تحت هذا العموم . السابع: قوله تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } [ الحجرات: 1 ] فاذا كان عموم القرآن حاضر ، ثم قدمنا القياس المخصص لزم التقديم بين يدي الله ورسوله . الثامن: قوله تعالى: { سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء الله } [ الأنعام: 148 ] إلى قوله: { إِن تَتَّبِعُونَ إلى الظن } [ الأنعام: 148 ] جعل اتباع الظن من صفات الكفار ، ومن الموجبات القوية في مذمتهم ، فهذا يقتضي أن لا يجوز العمل بالقياس ألبتة ترك هذا النص لما بينا أنه يدل على جواز العمل بالقياس ، لكنه إنما دل على ذلك عند فقدان النصوص ، فوجب عند وجدانها أن يبقى على الأصل . التاسع: أنه روي عن النبي A أنه قال: « إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فلإن وافقه فاقبلوه وإلا ذروه » ولا شك أن الحديث أقوى من القياس ، فاذا كان الحديث الذي لا يوافقه الكتاب مردودًا فالقياس أولى به . العاشر: أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، والقياس يفرق عقل الانسان الضعيف ، وكل من له عقل سليم عُلِمَ أن الأول أقوى بالمتابعة وأحرى .

المسألة السادسة: هذه الآية دالة على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة: أعني الكتاب والسنة والاجماع والقياس مردود باطل ، وذلك لأنه تعالى جعل الوقائع قسمين: أحدهما: ما تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالطاعة وهو قوله: { ياأيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ } والثاني: ما لا تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالاجتهاد وهو قوله: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول } فاذا كان لا مزيد على هذين القسمين وقد أمر الله تعالى في كل واحد منهما بتكليف خاص معين دل ذلك على أنه ليس للمكلف أن يتمسك بشيء سوى هذه الأصول الأربعة ، وإذا ثبت هذا فنقول: القول بالاستحسان الذي يقول به أبو حنيفة Bه ، والقول بالاستصلاح الذي يقول به مالك C إن كان المراد به أحد هذه الأمور الأربعة فهو تغيير عبارة ولا فائدة فيه ، وإن كان مغايرًا لهذه الأربعة كان القول به باطلا قطعًا لدلالة هذه الآية على بطلانه كما ذكرنا .

المسألة السابعة: زعم كثير من الفقهاء أن قوله تعالى: { أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول } يدل على أن ظاهر الأمر للوجوب ، واعترض المتكلمون عليه فقالوا: قوله: { أَطِيعُواْ الله } فهذا لا يدل على الايجاب إلا إذا ثبت أن الأمر للوجوب . وهذا يقتضي افتقار الدليل إلى المدلول وهو باطل ، وللفقهاء أن يجيبوا عنه من وجهين: الأول: أن الأوامر الواردة في الوقائع المخصوصة دالة على الندبية فقوله: { أَطِيعُواْ } لو كان معناه أن الاتيان بالمأمورات مندوب فحينئذ لا يبقى لهذه الآية فائدة . لأن مجرد الندبية كان معلوما من تلك الأوامر ، فوجب حملها على إفادة الوجوب حتى يقال: ان الأوامر دلت على أن فعل تلك المأمورات أولى من تركها ، وهذه الآية دلت على المنع من تركها فحينئذ يبقى لهذه الآية فائدة . والثاني: أنه تعالى ختم الآية بقوله: { إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر } وهو وعيد ، فكما أن احتمال اختصاصه بقوله: { فَرُدُّوهُ إِلَى الله } قائم ، فكذلك احتمال عوده إلى الجملتين أعني قوله: { أَطِيعُواْ الله } وقوله: { فَرُدُّوهُ إِلَى الله } قائم ، ولا شك أن الاحتياط فيه ، وإذا حكمنا بعود ذلك الوعيد إلى الكل صار قوله: { أَطِيعُواْ الله } موجبا للوجوب ، فثبت أن هذه الآية دالة على أن ظاهر الامر للوجوب ، ولا شك أنه أصل معتبر في الشرع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت