فهرس الكتاب

الصفحة 2277 من 8321

{ إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد } [ مريم: 54 ] وفي صفة إدريس { إِنَّهُ كَانَ صِدّيقًا نَّبِيًّا } [ مريم: 56 ] وقال في هذه الآية: { مّنَ النبيين والصديقين } يعني انك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة ، وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية ، ولا متوسط بينهما ، وقال في آية أخرى: { والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ } [ الزمر: 33 ] فلم يجعل بينهما واسطة ، وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها خير أمة حتى جعلوا الامام بعد الرسول E أبا بكر على سبيل الاجماع ، ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه إلى جنب رسول الله A ، وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية ، فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها .

الصفة الثانية: الشهادة: والكلام في الشهداء قد مر في مواضع من هذا الكتاب ، ولا بأس بأن نعيد البعض فنقول: لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الانسان مقتول الكافر ، والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن هذه الآية دالة على أن مرتبة الشهادة مرتبة عظيمة في الدين ، وكون الانسان مقتول الكافر ليس فيه زيادة شرف ، لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ومن لا منزلة له عند الله . الثاني: أن المؤمنين قد يقولون: اللهم ارزقنا الشهادة ، فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل وأنه غير جائز ، لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر ، فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو كفر ، الثالث: روي أنه A قال: المبطون شهيد والغريق شهيد ، فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل ، بل نقول: الشهيد فعيل بمعنى الفاعل ، وهو الذي يشهد بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان ، وأخرى بالسيف والسنان ، فالشهداء هم القائمون بالقسط ، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمًَا بالقسط } [ آل عمران: 18 ] ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد من حيث أنه بذل نفسه في نصرة دين الله ، وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل ، واذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من شهداء الله في الآخرة ، كما قال: { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } [ البقرة: 143 ] .

الصفة الثالثة: الصالحون: والصالح هو الذي يكون صالحا في اعتقاده وفي عمله ، فإن الجهل فساد في الاعتقاد ، والمعصية فساد في العمل ، واذا عرفت تفسير الصديق والشهيد والصالح ظهر لك ما بين هذه الصفات من التفاوت ، وذلك لأن كل من كان اعتقاده صوابا وكان عمله طاعة وغير معصية فهو صالح ، ثم أن الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل ، وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل وأخرى بالسيف ، وقد لا يكون الصالح موصوفا بكونه قائما بهذه الشهادة ، فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا ، وليس كل من كان صالحا شهيدا ، فالشهيد أشرف أنواع الصالح ، ثم أن الشهيد قد يكون صديقا وقد لا يكون: ومعنى الصديق الذي كان أسبق إيمانا من غيره ، وكان إيمانه قدوة لغيره ، فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا ، وليس كل من كان شهيدا كان صديقا ، فثبت أن أفضل الخلق هم الأنبياء عليهم السلام ، وبعدهم الصديقون ، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة ، وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح . فالحاصل أن أكابر الملائكة يأخذون الدين الحق عن الله ، والأنبياء يأخذون عن الملائكة ، كما قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت