{ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ } [ النحل: 2 ] والصديقون يأخذونه عن الأنبياء . والشهداء يأخذونه عن الصديقين ، لأنا بينا أن الصديق هو الذي يأخذ في المرة الأولى عن الأنبياء وصار قدوة لمن بعده ، والصالحون يأخذونه عن الشهداء ، فهذا هو تقرير هذه المراتب وإذا عرفت هذا ظهر لك أنه لا أحد يدخل الجنة إلا وهو داخل في بعض هذه النعوت والصفات .
ثم قال تعالى: { وَحَسُنَ أُولَئِكَ رفيقًا } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : فيه معنى التعجيب . كأنه قيل: ما أحسن أولئك رفيقًا .
المسألة الثانية: الرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل ، وصاحبه رفيق . هذا معناه في اللغة ثم الصاحب يسمّى رفيقا لارتفاق بعضهم ببعض .
المسألة الثالثة: قال الواحدي: إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع ، لأن الرفيق والرسول والبريد تذهب به العرب إلى الواحد والى الجمع قال تعالى: { إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين } [ الشعراء: 16 ] ولا يجوز أن يقال: حسن أولئك رجلا ، وبالجملة فهذا إنما يجوز في الاسم الذي يكون صفة ، أما إذا كان اسما مصرحا مثل رجل وامرأة لم يجز ، وجوز الزجاج ذلك في الاسم أيضا وزعم أنه مذهب سيبويه ، وقيل: معنى قوله: { وَحَسُنَ أُولَئِكَ رفيقًا } أي حسن كل واحد منهم رفيقا ، كما قال: { يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا } [ غافر: 67 ] .
المسألة الرابعة: { رَفِيقًا } نصب على التمييز ، وقيل على الحال: أي حسن واحد منهم رفيقا .
المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى بين فيمن أطاع الله ورسوله أنه يكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ثم لم يكترث بذلك ، بل ذكر أنه يكون رفيقا له ، وقد ذكرنا أن الرفيق هو الذي يرتفق به في الحضر والسفر ، فبين أن هؤلاء المطيعين يرتفقون بهم ، وإنما يرتفقون بهم إذا نالوا منهم رفقا وخيرا ، ولقد ذكرنا مرارًا كيفية هذا الارتفاق ، وأما على حسب الظاهر فلأن الانسان قد يكون مع غيره ولا يكون رفيقًا له ، فأما إذا كان عظيم الشفقة عظيم الاعتناء بشأنه كان رفيقا له ، فبين تعالى أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون له كالرفقاء من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته .