فهرس الكتاب

الصفحة 2288 من 8321

{ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِك } [ النساء: 78 ] ولا شك أن من هذا كلام المنافقين ، فاذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التي نحن في تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا .

المسألة الثانية: دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد ، وهذا هو الترتيب المطابق لما في العقول ، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله ، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله ، ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد .

المسألة الثالثة: قوله: { كَخَشْيَةِ الله } مصدر مضاف إلى المفعول .

المسألة الرابعة: ظاهر قوله: { أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } يوهم الشك ، وذلك على علام الغيوب محال . وفيه وجوه من التأويل: الأول: المراد منه الابهام على المخاطب ، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة ، وذلك لأن كل خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد فبين تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من الله ، بل بقي إما أن يكون مساويا أو أزيد ، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه ، بل يوجب إبقاء الابهام في هذين القسمين على المخاطب . الثاني: أن يكون «أو» بمعنى الواو ، والتقدير: يخشونهم كخشية الله وأشد خشية ، وليس بين هذين القسمين منافاة ، لأن من هو أشد خشية فمعه من الخشية مثل خشيته من الله وزيادة . الثالث: أن هذا نظير قوله: { وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } [ الصافات: 147 ] يعني أن من يبصرهم يقول هذا الكلام ، فكذا ههنا والله أعلم .

ثم قال تعالى: { وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال } .

واعلم أن هؤلاء القائلين إن كانوا مؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على الله ، لكن جزعا من الموت وحبا للحياة ، وإن كانوا منافقين فمعلوم أنهم كانوا منكرين لكون الرب تعالى كاتبا للقتال عليهم ، فقالوا ذلك على معنى أنه تعالى كتب القتال عليهم في زعم الرسول E وفي دعواه ، ثم قالوا: { لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } وهذا كالعلة لكراهتهم لايجاب القتال عليهم ، أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا ، ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم فقال: { قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والاخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى } وإنما قلنا: إن الآخرة خير لوجوه: الأول: ان نعم الدنيا قليلة ، ونعم الآخرة كثيرة . والثاني: ان نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة . والثالث: أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره ، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات . والرابع: أن نعم الدنيا مشكوكة فان أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني ، ونعم الآخرة يقينية ، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا ، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين ، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله: { لِمَنِ اتقى } وهذا هو المراد من قوله E:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت