فهرس الكتاب

الصفحة 2318 من 8321

المسألة الثامنة عشرة: اعلم أن لفظ التحية على ما بيناه صار كناية عن الاكرام ، فجميع أنواع الاكرام يدخل تحت لفظ التحية .

إذا عرفت هذا فنقول: قال أبو حنيفة Bه: من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها ، فاذا أثيب منها فلا رجوع فيها . وقال الشافعي Bه: له الرجوع في حق الولد ، وليس له الرجوع في حق الأجنبي ، احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على صحة قول أبي حنيفة فان قوله: { وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } يدخل فيه التسليم ، ويدخل فيه الهبة ، ومقتضاه وجوب الرد اذا لم يصر مقابلا بالأحسن ، فاذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز ، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب ، بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالاجماع ، مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يأتي بالأحسن ، ثم احتج الشافعي على قوله بما روى ابن عباس وابن عمر عن النبي A أنه قال: « لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده » وهذا نص في أن هبة الأجنبي يحرم الرجوع فيها ، وهبة الولد يجوز الرجوع فيها .

ثم قال تعالى: { إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء حَسِيبًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في الحسيب قولان: الأول: أنه بمعنى المحاسب على العمل ، كالأكيل والشريب والجليس بمعنى المؤاكل والمشارب والمجالس . الثاني: أنه بمعنى الكافي في قولهم: حسبي كذا؛ أي كافي ، ومنه قوله تعالى: { حَسْبِىَ الله } [ التوبة: 129 ، الزمر: 38 ] .

المسألة الثانية: المقصود منه الوعيد ، فانا بينا أن الواحد منهم قد كان يسلم على الرجل المسلم ، ثم إن ذلك المسلم ما كان يتفحص عن حاله ، بل ربما قتله طمعا في سلبه ، فالله تعالى زجر عن ذلك فقال: { وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } وإياكم أن تتعرضوا له بالقتل .

ثم قال: { إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء حَسِيبًا } أي هو محاسبكم على أعمالكم وكافي في إيصال جزاء أعمالكم اليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف ، وهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء والمنع من إهدارها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت