أما النص: فهو جميع الآيات الدالة على وجوب القصاص ، كقوله: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } [ البقرة: 178 ] { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس } [ المائدة: 45 ] { وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا } [ الإسراء: 33 ] { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى: 40 ] { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } [ البقرة: 194 ] .
وأما المعقول: فهو أن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار . قال تعالى: { وَلَكُمْ فِي القصاص حياة } [ البقرة: 179 ] وإذا كان المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار ، والاهدار من المثقل كهو في المحدد كانت الحاجة إلى شرع الزاجر في إحدى الصورتين كالحاجة إليه في الصورة الأخرى ، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس الاهدار ، إنما التفاوت حاصل في آلة الاهدار ، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر ، والكلام في الفقهيات إذا وصل إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في التحقيق لمن ترك التقليد ، واحتجوا بقوله A:"ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل"وهو عام سواء كان السوط والعصا صغيرا أو كبيرا .
والجواب: أن قوله: «قتيل الخطأ» يدل على أنه لا بد وأن يكون معنى الخطأ حاصلا فيه ، وقد بينا أن من خنق إنسانًا أو ضرب رأسه بحجر الرحا ، ثم قال: ما كنت أقصد قتله ، فإن كل عاقل ببديهة عقله يعلم أنه كاذب في هذا المقال ، فوجب حمل هذا الضرب على الضرب بالعصا الصغيرة حتى يبقى معنى الخطأ فيه . والله أعلم .
المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة ، وقال الشافعي: يوجب . احتج أبو حنيفة بهذه الآية ، فقال قوله: { وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خطأ } شرط لوجوب الكفارة وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط ، فيقال له: إنه تعالى قال: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم } [ النساء: 25 ] فقوله: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } ما كان شرطا لجواز نكاح الأمة على قولكم ، فكذلك ههنا . ثم نقول: الذي يدل على وجوب الكفارة في القتل العمد الخبر والقياس .
أما الخبر فهو ما روى واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله A في صاحب لنا أوجب النار بالقتل ، فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار .
وأما القياس: فهو أن الغرض من إعتاق العبد هو أن يعتقه الله من النار ، والحاجة الى هذا المعنى في القتل العمد أتم ، فكانت الحاجة فيه الى ايجاب الكفارة أتم والله أعلم .
وذكر الشافعي Bه حجة أخرى من قياس الشبه فقال: لما وجبت الكفارة في قتل الصيد في الاحرام سوينا بين العامد وبين الخاطىء إلا في الاثم ، فكذا في قتل المؤمن ، ولهذا الكلام تأكيد آخر وهو أن يقال: نص الله تعالى هناك في العامد ، وأوجبنا على الخاطىء . فههنا نص على الخاطىء ، فبأن نوجبه على العامد مع أن احتياج العامد الى الاعتاق المخلص له عن النار أشد كان ذلك أولى .