[ التوبة: 111 ] فقدم ذكر النفس على المال ، وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله: { المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ } قدم ذكر المال على النفس ، فما السبب فيه؟
وجوابه: أن النفس أشرف من المال ، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهًا على أن الرغبة فيها أشد ، والبائع أخر ذكرها تنبيهًا على أن المضايقة فيها أشد ، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب .
وأعلم أنه تعالى لما بيّن أن المجاهدين والقاعدين لا يستويان ثم أن عدم الاستواء يحتمل الزيادة ويحتمل النقصان ، لا جرم كشف تعالى عنه فقال: { فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً } وفي انتصاب قوله { دَرَجَةً } وجوه: الأول: أنه يحذف الجار ، والتقدير بدرجة فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل الثاني: قوله { دَرَجَةً } أي فضيلة ، والتقدير: وفضل الله المجاهدين فضيلة كما يقال زيد أكرم عمرًا إكرامًا والفائدة في التنكير والتفخيم . الثالث: قوله { دَرَجَةً } نصب على التمييز .
ثم قال: { وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } أي وكلا من القاعدين والمجاهدين فقد وعده الله الحسنى وقال الفقهاء: وفيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية ، وليس على كل واحد بعينه لأنه تعالى وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين ، ولو كان الجهاد واجبًا على التعيين لما كان القاعد أهلًا لوعد الله تعالى إياه الحسنى .
ثم قال تعالى: { وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْرًا عَظِيمًا درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في انتصاب قوله: { أَجْرًا } وجهان: الأول: انتصب بقوله: { وَفَضَّلَ } لأنه في معنى قولهم: آجرهم أجرًا ، ثم قوله: { درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً } بدل من قوله: { أَجْرًا } . الثاني: انتصب على التمييز و { درجات } عطف بيان { وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً } معطوفان على { درجات } .
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إنه تعالى ذكر أولًا { دَرَجَةً } ، وههنا { درجات } ، وجوابه من وجوه: الأول: المراد بالدرجة ليس هو الدرجة الواحدة بالعدد ، بل بالجنس ، والواحد بالجنس يدخل تحته الكثير بالنوع ، وذلك هو الأجر العظيم ، والدرجات الرفيعة في الجنة المغفرة والرحمة . الثاني: أن المجاهد أفضل من القاعد الذي يكون من الأضراء بدرجة ، ومن القاعد الذي يكون من الأصحاء بدرجات ، وهذا الجواب إنما يتمشى إذا قلنا بأن قوله: { غَيْرُ أُوْلِى الضرر } لا يوجب حصول المساواة بين المجاهدين وبين القاعدين الأضراء . الثالث: فضل الله المجاهدين في الدنيا بدرجة واحدة وهي الغنيمة ، وفي الآخرة بدرجات كثيرة في الجنة بالفضل والرحمة والمغفرة . الرابع: قال في أول الآية { وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْرًا عَظِيمًا } ولا يمكن أن يكون المراد من هذا المجاهد هو المجاهد بالمال والنفس فقط ، وإلا حصل التكرار ، فوجب أن يكون المراد منه من كان مجاهدًا على الإطلاق في كل الأمور ، أعني في عمل الظاهر ، وهو الجهاد بالنفس والمال والقلب وهو أشرف أنواع المجاهدة ، كما قال عليه السلام: