فهرس الكتاب

الصفحة 2357 من 8321

"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"وهذا يدل على القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات ، وأن ذلك كان مفهومًا عندهم من معنى الآية . الثاني: أن القصر عبارة عن أن يؤتي ببعض الشيء ، ويقتصر عليه ، فأما أن يؤتى بشيء آخر ، فذلك لا يسمى قصرًا ، ولا اقتصارًا ، ومعلوم أن إقامة الإيماء مقام الركوع والسجود ، وتجويز المشي في الصلاة وتجويز الصلاة مع الثوب الملطخ بالدم ، ليس شيء من ذلك قصرًا ، بل كلها إثبات لأحكام جديدة وإقامة لشيء مقام شيء آخر ، فكان تفسير القصر بما ذكرنا أولى .

الثالث: أن { مِنْ } في قوله { مِنَ الصلاة } للتبعيض ، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة ، فثبت بهذه الوجوه أن تفسير القصر بإسقاط بعض الركعات أولى من تفسيره بما ذكروه من الإيماء والإشارة .

الرابع: أن لفظ القصر كان مخصوصًا في عرفهم بنقص عدد الركعات ، ولهذا المعنى لما صلّى النبي A الظهر ركعتين ، قال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ الخامس: أن القصر بمعنى تغير الصلاة مذكور في الآية التي بعد هذه الآية ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى الركعات ، لئلا يلزم التكرار ، والله أعلم .

المسألة الثالثة: قال الشافعي C: القصر رخصة ، فإن شاء المكلف أتم ، وإن شاء اكتفى على القصر ، وقال أبو حنيفة: القصر واجب ، فإن صلّى المسافر أربعًا ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته ، وإن قعد بينهما مقدار التشهد تمت صلاته ، واحتج الشافعي C على قوله بوجوه: الأول: أن ظاهر قوله تعالى: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة } مشعر بعدم الوجوب ، فإنه لا يقال { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } في أداء الصلاة الواجبة ، بل هذا اللفظ إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشيء ، فأما إيجابه على التعيين فهذا اللفظ غير مستعمل فيه ، أما أبو بكر الرازي فأجاب عنه بأن المراد من القصر في هذه الآية لا تقليل الركعات ، بل تخفيف الأعمال .

وأعلم أنا بيّنا بالدليل أنه لا يجوز حمل الآية على ما ذكره ، فسقط هذا العذر . وذكر صاحب «الكشاف» وجهًا آخر فيه ، فقال: إنهم لما ألفوا الاتمام ، فربما كان يخطر ببالهم أن عليهم نقصانًا في القصر ، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ، فيقال له: هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم: رخصت لكم في هذا القصر ، أما إذا قال: أوجبت عليكم هذا القصر ، وحرمت عليكم الاتمام ، وجلعته مفسدًا لصلاتكم ، فهذا الاحتمال مما لا يخطر ببال عاقل أصلًا ، فلا يكون هذا الكلام لائقًا به .

الحجة الثانية: ما روي أن عائشة Bها قالت: اعتمرت مع رسول الله A من المدينة إلى مكة ، فلما قدمت مكة قلت يا رسول الله: بأبي أنت وأمي ، قصرت وأتممت وصمت وأفطرت ، فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب علي ، وكان عثمان يتم ويقصر ، وما ظهر إنكار من الصحابة عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت