فهرس الكتاب

الصفحة 2358 من 8321

الحجة الثالثة: أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجويز ، لا على سبيل التعيين جزمًا فكذا ههنا ، واحتجوا بالأحاديث منها ما روى عمر أنه A قال فيه « صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته » فظاهر الأمر للوجوب ، وعن أبي عباس قال: كان النبي A إذا خرج مسافرًا صلّى ركعتين .

والجواب: أن هذه الأحاديث تدل على كون القصر مشروعًا جائزًا ، إلا أن الكلام في أنه هل يجوز غيره؟ ولما دل لفظ القرآن على جواز غيره كان القول به أولى ، والله أعلم .

المسألة الرابعة: قال بعضهم: صلاة السفر ركعتان ، تمام غير قصر ، ولما قدم النبي A المدينة أقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر .

وأعلم أن لفظ الآية يبطل هذا ، وذلك لأنا بينا أن المراد من القصر المذكور في الآية تخفيف الركعات ، ولو كان الأمر ما ذكروه لما كان هذا قصرًا في صلاة السفر ، بل كان ذلك زيادة في صلاة الحضر ، والله أعلم .

المسألة الخامسة: زعم داود وأهل الظاهر أن قليل السفر وكثيره سواء في جواز الرخصة وزعم جمهور الفقهاء أن السفر ما لم يقدر بمقدار مخصوص لم يحصل فيه الرخصة . احتج أهل الظاهر بالآية فقالوا: إن قوله تعالى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة } جملة مركبة من شرط ، وجزاء الشرط هو الضرب في الأرض ، والجزاء هو جواز القصر ، وإذا حصل الشرط وجب أن يترتب عليه الجزاء سواء كان الشرط الذي هو السفر طويلًا أو قصيرًا ، أقصى ما في الباب أن يقال: فهذا يقتضي حصول الرخصة عند انتقال الإنسان من محلة إلى محلة ، ومن دار إلى دار ، إلا أنّا نقول:

الجواب عنه من وجهين: الأول: أن الانتقال من محلة إلى محلة إن لم يسم بأنه ضرب في الأرض ، فقد زال الاشكال ، وإن سمي بذلك فنقول: أجمع المسلمون على أنه غير معتبر ، فهذا تخصيص تطرق إلى هذا النص بدلالة الإجماع ، والعام بعد التخصيص حجة ، فوجب أن يبقى النص معتبرًا في السفر ، سواء كان قليلًا أو كثيرًا . والثاني: أن قوله: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض } يدل على أنه تعالى جعل الضرب في الأرض شرطًا لحصول هذه الرخصة ، فلو كان الضرب في الأرض اسمًا لمطلق الانتقال لكان ذلك حاصلًا دائمًا ، لأن الإنسان لا ينفك طول عمره من الانتقال من الدار إلى المسجد ، ومن المسجد إلى السوق ، وإذا كان حاصلًا دائمًا امتنع جعله شرطًا لثبوت هذا الحكم ، فلما جعل الله الضرب في الأرض شرطًا لثبوت هذا الحكم علمنا أنه مغاير لمطلق الانتقال وذلك هو الذي يسمى سفرًا ومعلوم أن اسم السفر واقع على القريب وعلى البعيد ، فعلمنا دلالة الآية على حصول الرخصة في مطلق السفر ، أما الفقهاء فقالوا: أجمع السلف على أن أقل السفر مقدر ، قالوا: والذي يدل عليه أنه حصل في المسألة روايات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت