أما قوله: { بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو والكسائي { بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } بإدغام اللام في الراء والباقون بترك الإدغام ، حجتهما قرب مخرج اللام من الراء والراء أقوى من اللام بحصول التكرير فيها ، ولهذا لم يجز إدغام الراء في اللام لأن الأنقص يدغم في الأفضل ، وحجة الباقين أن الراء واللام حرفان من كلمتين فالأولى ترك الإدغام .
المسألة الثانية: المشبهة احتجوا بقوله تعالى: { بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } في إثبات الجهة .
والجواب: المراد الرفع إلى موضع لا يجرى فيه حكم غير الله تعالى كقوله { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور } [ البقرة: 210 ] وقال تعالى: { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ } [ النساء: 100 ] وكانت الهجرة في ذلك الوقت إلى المدينة ، وقال إبراهيم { إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى } [ الصافات: 99 ] .
المسألة الثالثة: رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية ، ونظير هذه الآية قوله في آل عمران { إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } [ آل عمران: 55 ] واعلم أنه تعالى لما ذكر عقيب ما شرح أنه وصل إلى عيسى أنواع كثيرة من البلاء والمحنة أنه رفعه إليه دل ذلك على أن رفعه إليه أعظم في باب الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من اللذات الجسمانية ، وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية .
ثم قال تعالى: { وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا } .
والمراد من العزة كمال القدرة ، ومن الحكمة كمال العلم ، فنبّه بهذا على أن رفع عيسى من الدنيا إلى السموات وإن كان كالمتعذر على البشر لكنه لا تعذر فيه بالنسبة إلى قدرتي وإلى حكمتي ، وهو نظير قوله تعالى: { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا } [ الإسراء: 1 ] فإن الإسراء وإن كان متعذرًا بالنسبة إلى قدرة محمد إلا أنه سهل بالنسبة إلى قدرة الحق سبحانه ثم قال تعالى: