فهرس الكتاب

الصفحة 2449 من 8321

ثم قال: { وكفى بالله وَكِيلًا } والمعنى أن الله سبحانه كاف في تدبير المخلوقات وفي حفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر ، وهو إشارة إلى ما يذكره المتكلمون من أنه سبحانه لما كان عالمًا بجميع المعلومات قادرًا على كل المقدورات كان كافيًا في الإلهية ، ولو فرضنا إلهًا آخر معه لكان معطلًا لا فائدة فيه ، وذلك نقص ، والناقص لا يكون إلهًا .

ثم قال تعالى: { لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْدًا للَّهِ وَلاَ الملئكة المقربون } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الزجاج: لن يستنكف أي لن يأنف ، وأصله في اللغة من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خدك ، فتأويل { لَّن يَسْتَنكِفَ } أي لن يتنغص ولم يمنع ، وقال الأزهري: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا العباس وقد سئل عن الاستنكاف فقال: هو من النكف ، يقال ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا كف ، والنكف أن يقال له سوء ، واستنكف إذا دفع ذلك السوء عنه .

المسألة الثانية: روي أن وفد نجران قالوا لرسول الله A: لم تعيب صاحبنا قال: ومن صاحبكم؟ قالوا عيسى ، قال: وأي شيء قلت؟ قالوا تقول إنه عبد الله ورسوله ، قال إنه/ ليس بعار أن يكون عبد الله ، فنزلت هذه الآية ، وأنا أقول: إنه تعالى لما أقام الحجة القاطعة على أن عيسى عبد الله ، ولا يجوز أن يكون ابنًا له أشار بعده إلى حكاية شبهتهم وأجاب عنها ، وذلك لأن الشبهة التي عليها يعولون في إثبات أنه ابن الله هو أنه كان يخبر عن المغيبات وكان يأتي بخوارق العادات من الإحياء والإبراء ، فكأنه تعالى قال: { لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح } بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبادة الله تعالى فإن الملائكة المقربين أعلى حالًا منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ ، وأعلى حالًا منه في القدرة لأن ثمانية منهم حملوا العرش على عظمته ، ثم إن الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لا يستنكفوا عن عبودية الله ، فكيف يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة ، وإذا حملنا الآية على ما ذكرناه صارت هذه الآيات متناسبة متتابعة ومناظرة شريفة كاملة ، فكان حمل الآية على هذا الوجه أولى .

المسألة الثالثة: استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر . وقد ذكرنا استدلالهم بها في تفسير قوله { وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآِدَمَ } [ البقرة: 34 ] وأجبنا عن هذا الاستدلال بوجوه كثيرة ، والذي نقول هاهنا: إنا نسلم أن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر من اطلاع البشر عليها ونسلم أن قدرة الملائكة على التصرف في هذا العالم أشد من قدرة البشر ، كيف ويقال: إن جبريل قلع مدائن قوم لوط بريشة واحدة من جناحه إنما النزاع في أن ثواب طاعات الملائكة أكثر أم ثواب طاعات البشر ، وهذه الآية لا تدل على ذلك ألبتة ، وذلك لأن النصارى إنما أثبتوا إلهية عيسى بسبب أنه أخبر عن الغيوب وأتى بخوارق العادات . فإيراد الملائكة لأجل إبطال هذه الشبهة إنما يستقيم إذا كانت الملائكة أقوى حالًا في هذا العلم ، وفي هذه القدرة من البشر ، ونحن نقول بموجبه . فأما أن يقال: المراد من الآية تفضيل الملائكة على المسيح في كثرة الثواب على الطاعات فذلك مما لا يناسب هذا الموضع ولا يليق به ، فظهر أن هذا الاستدلال إنما قوي في الأوهام لأن الناس ما لخصوا محل النزاع والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت