فهرس الكتاب

الصفحة 2457 من 8321

{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَا أَكَلَ السبع إِلاَّ ما ذكيتم وما ذبح على النصب } [ المائدة: 3 ] ووجه هذا أن قوله { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام } يقتضي إحلالها لهم على جميع الوجوه فبيّن الله تعالى أنها إن كانت ميتة ، أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو افترسها السبع أو ذبحت على غير اسم الله تعالى فهي محرمة .

النوع الثاني: من الاستثناء قوله تعالى: { غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى لما أحل بهيمة الأنعام ذكر الفرق بين صيدها وغير صيدها ، فعرفنا أن ما كان منها صيدًا ، فإنه حلال في الإحلال دون الإحرام ، وما لم يكن صيدًا فإنه حلال في الحالين جميعًا والله أعلم .

المسألة الثانية: قوله { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أي محرمون أي داخلون في الإحرام بالحج والعمرة أو أحدهما ، يقال: أحرم بالحج والعمرة فهو محرم وحرم ، كما يقال: أجنب فهو مجنب وجنب ، ويستوي فيه الواحد والجمع ، يقال قوم حرم كما يقال قوم جنب . قال تعالى: { وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فاطهروا } [ المائدة: 65 ] .

وأعلم أنا إذا قلنا: أحرم الرجل فله معنيان: الأول: هذا ، والثاني: أنه دخل الحرم فقوله { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } يشتمل على الوجهين ، فيحرم الصيد على من كان في الحرم كما يحرم على من كان محرمًا بالحج أو العمرة ، وهو قول الفقهاء .

المسألة الثالثة: أعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن الصيد حرام على المحرم ، ونظير هذه الآية قوله تعالى: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا } فإن { إِذَا } للشرط ، والمعلق بكلمة الشرط على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، إلا أنه تعالى بيّن في آية أخرى أن المحرم على المحرم إنما هو صيد البر لا صيد البحر ، قال تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ متاعا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } [ المائدة: 96 ] فصارت هذه الآية بيانًا لتلك الآيات المطلقة .

المسألة الرابعة: انتصب { غَيْرِ } على الحال من قوله { أُحِلَّتْ لَكُمْ } كما تقول: أحل لكم الطعام غير معتدين فيه . قال الفرّاء: هو مثل قولك: أحل لك الشيء لا مفرطًا فيه ولا متعديًا ، والمعنى أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام فإنه لا يحل لكم ذلك إذا كنتم محرمين .

ثم قال تعالى: { إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } والمعنى أنه تعالى أباح الأنعام في جميع الأحوال ، وأباح الصيد في بعض الأحوال دون بعض ، فلو قال قائل: ما السبب في هذا التفصيل والتخصيص كان جوابه أي يقال: أنه تعالى مالك الأشياء وخالقها فلم يكن على حكمه اعتراض بوجه من الوجوه ، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا أن علة حسن التكليف هي الربوبية والعبودية لا ما يقوله المعتزلة من رعاية المصالح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت