فهرس الكتاب

الصفحة 2456 من 8321

واعلم أن هذا الوجد يدل على صحة مذهب الشافعي C في أن الجنين مذكى بذكاة الأم .

المسألة الثانية: قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام ، والإيلام قبيح ، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم ، فيمتنع أن يكون الذبح حلالًا مباحًا بحكم الله . قالوا: والذي يحقق ذلك أن هذه الحيوانات ليس لها قدرة عن الدفع عن أنفسها ، ولا لها لسان تحتج على من قصد إيلامها ، والإيلام قبيح إلاّ أن إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى هذا الحد أقبح .

واعلم أن فرق المسلمين افترقوا فرقًا كثيرة بسبب هذه الشبهة فقالت المكرمية: لا نسلم أن هذه الحيوانات تتألم عند الذبح ، بل لعلّ الله تعالى يرفع ألم الذبح عنها . وهذا كالمكابرة في الضروريات ، وقالت المعتزلة: لا نسلم أن الإيلام قبيح مطلقًا ، بل إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقًا بجناية ولا ملحقًا بعوض . وهاهنا الله سبحانه يعوض هذه الحيوانات في الآخرة بأعواض شريفة ، وحينئذ يخرج هذا الذبح عن أن يكون ظلمًا ، قالوا: والذي يدل على صحة ما قلناه ما تقرر في العقول أنه يحسن تحمل ألم الفصد والحجامة لطلب الصحة ، فإذا حسن تحمل الألم القليل لأجل المنفعة العظيمة ، فكذلك القول في الذبح . وقال أصحابنا: إن الاذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في ملكه ، والمالك لا اعتراض عليه إذا تصرف في ملك نفسه ، والمسألة طويلة مذكورة في علم الأصول والله أعلم .

المسألة الثالثة: قال بعضهم: قوله { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام } مجملل؛ لأن الإحلال إنما يضاف إلى الأفعال ، وهاهنا أضيف إلى الذات فتعذر إجراؤه على ظاهره فلا بدّ من إضمار فعل ، وليس إضمار بعض الأفعال أولى من بعض ، فيحتمل أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو لحمها ، أو المراد إحلال الانتفاع بالأكل ، ولا شك أن اللفظ محتمل للكل فصارت الآية مجملة ، إلاّ أن قوله تعالى: { والانعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء ومنافع وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } [ النحل: 5 ] دل على أن المراد بقوله { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام } إباحة الانتفاع بها من كل هذه الوجوه .

واعلم أنه تعالى لما ذكر قوله { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام } ألحق به نوعين من الاستثناء: الأول: قوله { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } واعلم أن ظاهر هذا الاستثناء مجمل ، واستثناء الكلام المجمل من الكلام المفصل يجعل ما بقي بعد الاستثناء مجملًا أيضًا ، إلاّ أن المفسرين أجمعوا على أن المراد من هذا الاستثناء هو المذكور بعد هده الآية وهو قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت