فهرس الكتاب

الصفحة 2459 من 8321

حلفت برب مكة والمصلى ... وأعناق الهدى مقلدات

ونظير هذه الآية قوله تعالى: { هَدْيًا بالغ الكعبة } [ المائدة: 95 ] وقوله { والهدى مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } [ الفتح: 25 ] .

ثم قال تعالى: { وَلاَ القلائد } والقلائد جمع قلادة وهي التي تشد على عنق العبير وغيره وهي مشهورة . وفي التفسير وجوه: الأول: المراد منه الهدى ذوات القلائد ، وعطفت على الهدي مبالغة في التوصية بها لأنها أشرف الهدي كقوله { وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة: 98 ] كأنه قيل: والقلائد منها خصوصًا الثاني: أنه نهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي على معنى: ولا تحلوا قلائدها فضلًا عن أن تحلوها ، كما قال { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } [ النور: 31 ] فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواضعها . الثالث: قال بعضهم: كانت العرب في الجاهلية مواظبين على المحاربة إلا في الأشهر الحرم ، فمن وجد في غير هذه الأشهر الحرم أصيب منه ، إلا أن يكون مشعرًا بدنة أو بقرة من لحاء شجر الحرم ، أو محرمًا بعمرة إلى البيت ، فحينئذٍ لا يتعرض له ، فأمر الله المسلمين بتقرير هذا المعنى .

ثم قال: { وَلاَ آمينَ البيت الحرام } أي قومًا قاصدين المسجد الحرام ، وقرأ عبد الله: ولا آمي البيت الحرام على الإضافة .

ثم قال تعالى: { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مّن رَّبّهِمْ ورضوانا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حميد بن قيس الأعرج { تَبْتَغُونَ } بالتاء على خطاب المؤمنين .

المسألة الثانية: في تفسير الفضل والرضوان وجهان: الأول: يبتغون فضلًا من ربهم بالتجارة المباحة لهم في حجهم ، كقوله { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مّن رَّبّكُمْ } [ البقرة: 198 ] قالوا: نزلت في تجاراتهم أيام الموسم ، والمعنى: لا تمنعوهم فإنما قصدوا البيت لإصلاح معاشهم ومعادهم ، فابتغاء الفضل للدنيا ، وابتغاء الرضوان للآخرة . قال أهل العلم: إن المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله وإن كانوا لا ينالون ذلك ، فلا يبعد أن يحصل لهم بسبب هذا القصد نوع من الحرمة .

والوجه الثاني: أن المراد بفضل الله الثواب ، وبالرضوان أن يرضى عنهم ، وذلك لأن الكافر وإن كان لا ينال الفضل والرضوان لكنه يظن أنه بفعله طالب لهما ، فيجوز أن يوصف بذلك بناءً على ظنه ، قال تعالى: { وانظر إلى إلهك } [ طه: 97 ] وقال { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } [ الدخان: 49 ] .

المسألة الثالثة: اختلف الناس فقال بعضهم: هذه الآية منسوخة ، لأن قوله { لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله وَلاَ الشهر الحرام } يقتضي حرمة القتال في الشهر الحرام ، وذلك منسوخ بقوله { اقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة: 5 ] قوله { وَلاَ آمين البيتالحرام } يقتضي حرمة منع المشركين عن المسجد الحرام وذلك منسوخ بقوله { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } [ البقرة: 28 ] وهذا قول كثير من المفسرين كابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة . وقال الشعبي: لم ينسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية . وقال قوم آخرون من المفسرين: هذه الآية غير منسوخة ، وهؤلاء لهم طريقان: الأول: أن الله تعالى أمرنا في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من المسلمين ، وحرم علينا أخذ الهدى من المهدين إذا كانوا مسلمين ، والدليل عليه أول الآية وآخرها ، أما أول الآية فهو قوله { لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله } وشعائر الله إنما تليق بنسك المسلمين وطاعاتهم لا بنسك الكفار ، وأما آخر الآية فهو قوله { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مّن رَّبّهِمْ ورضوانا } وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر . الثاني: قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد النبي A ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الحظر ولزم المراد بقوله تعالى: { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت