وأعلم أن دخول الهاء في هذه الكلمات الأربع ، أعني: المنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، إنما كان لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو الشاة ، كأنه قيل: حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة ، وخصت الشاة لأنها من أعم ما يأكله الناس ، والكلام يخرج على الأعم الأغلب ويكون المراد هو الكل .
فإن قيل: لم أثبت الهاء في النطيحة مع أنها كانت في الأصل منطوحة فعدل بها إلى النطيحة ، وفي مثل هذا الموضع تكون الهاء محذوفة ، كقولهم: كف خضيب ، ولحية دهين ، وعين كحيل .
قلنا: إنما تحذف الهاء من الفعلية إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها ، فإذا لم يذكر الموصوف وذكرت الصفة وضعتها موضع الموصوف ، تقول: رأيت قتيلة بني فلان بالهاء لأنك إن لم تدخل الهاء لم يعرف أرجل هو أو امرأة ، فعلى هذا إنما دخلت الهاء في النطيحة لأنها صفة لمؤنث غير مذكور وهو الشاة ، والتاسع: قوله { وَمَا أَكَلَ السبع إِلاَّ ذَكَّيْتُمْ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: السبع: اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان والدواب ويفترسها ، مثل الأسد وما دونه ، ويجوز التخفيف في سبع فيقال: سبع وسبعة ، وفي رواية عن أبي عمرو: السبع بسكون الباء ، وقرأ ابن عباس: وأكيل السبع .
المسألة الثانية: قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئًا فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي ، فحرمه الله تعالى . وفي الآية محذوف تقديره: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له ، وإنما الحكم للباقي .
المسألة الثالثة: أصل الذكاء في اللغة إتمام الشيء ، ومنه الذكاء في الفهم وهو تمامه ، ومنه الذكاء في السن ، وقيل: جري المذكيات غلاب ، أي جري المسنات التي قد أسنت ، وتأويل تمام السن النهاية في الشباب ، فإذا نقص عن ذلك أو زاد فلا يقال له الذكاء في السن ، ويقال ذكيت النار أي أتممت إشعالها .
إذا عرفت هذا الأصل فنقول: الاستثناء المذكور في قوله { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } فيه أقوال: الأول: أنه استثناء من جميع ما تقدم من قوله { والمنخنقة } إلى قوله { وَمَا أَكَلَ السبع } وهو قول علي وابن عباس والحسن وقتادة ، فعلى هذا أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عينًا تطرف أو ذنبًا يتحرك أو رجلًا تركض فاذبح فإنه حلال ، فإنه لولا بقاء الحياة فيه لما حصلت هذه الأحوال ، فلما وجدتها مع هذه الأحوال دل على أن الحياة بتمامها حاصلة فيه .
والقول الثاني: أن هذا الاستثناء مختص بقوله { وَمَا أَكَلَ السبع } .
والقول الثالث: أنه استثناء منقطع كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا فهو حلال .