والقول الرابع: أنه استثناء من التحريم لا من المحرمات ، يعني حرم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال . وعلى هذا التقدير يكون الاستثناء منقطعًا أيضًا . العاشر: من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: النصب يحتمل أن يكون جمعًا وأن يكون واحدًا ، فإن قلنا إنه جمع ففي واحده ثلاثة أوجه: الأول: أن واحده نصاب ، فقولنا: نصاب ونصب كقولنا: حمار وحمر . الثاني: أن واحده النصب ، فقولنا نصب ونصب كقولنا: سقف وسقف ورهن ورهن ، وهو قول ابن الأنباري . والثالث: أن واحدة النصبة . قال الليث: النصب جمع النصبة ، وهي علامة تنصب للقوم ، أما إن قلنا: أن النصب واحد فجمعه أنصاب ، قفولنا: نصب وأنصاب كقولنا طنب وأطناب . قال الأزهري: وقد جعل الأعشى النصب واحدًا فقال:
ولا النصب المنصوب لا تنسكنه ... لعاقبة والله ربك فاعبدا
المسألة الثانية: من الناس من قال: النصب هي الأوثان ، وهذا بعيد لأن هذا معطوف على قوله { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } وذلك هو الذبح على اسم الأثان ، ومن حق المعطوف أن يكون مغايرًا للمعطوف عليه . وقال ابن جريج: النصب ليس بأصنام فإن الأصنام أحجار مصورة منقوشة ، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة ، وكانوا يذبحون عندها للأصنام ، وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويضعون اللحوم عليها ، فقال المسلمون: يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم ، فنحن أحق أن نعظمه ، وكان النبي A لم ينكره ، فأنزل الله تعالى: { لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا } [ الحج: 37 ] .
واعلم أن { مَا } في قوله { وَمَا ذُبِحَ } في محل الرفع لأنه عطف على قوله { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } إلى قوله { وَمَا أَكَلَ السبع } .
واعلم أن قوله { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } فيه وجهان أحدهما: وما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب ، والثاني: وما ذبح للنصب ، و ( اللام ) و ( على ) يتعاقبان ، قال تعالى: { فسلام لَّكَ مِنْ أصحاب اليمين } [ الواقعة: 91 ] أي فسلام عليك منهم ، وقال { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء: 7 ] أي فعليها .
النوع الحادي عشر: قوله تعالى: { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام } قال القفال C: ذكر هذا في جملة المطاعم لأنه مما أبدعه أهل الجاهلية وكان موافقًا لما كانوا فعلوه في المطاعم ، وذلك أن الذبح على النصب إنما كان يقع عند البيت ، وكذا الاستقسام بالأزلام كانوا يوقعونه عند البيت إذا كانوا هناك ، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: كان أحدهم إذا أراد سفرًا أو غزوًا أو تجارة أو نكاحًا أو أمرًا آخر من معاظم الأمور ضرب بالقداح ، وكانوا قد كتبوا على بعضها: أمرني ربي ، وعلى بعضها: نهاني ربي ، وتركوا بعضها خاليًا عن الكتابة ، فإن خرج الأمر أقدم على الفعل ، وإن خرج النهي أمسك ، وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى ، فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح . الثاني: قال المؤرخ وكثير من أهل اللغة: الاستقسام هنا هو الميسر المنهى عنه ، والأزلام قداح الميسر ، والقول الأول اختيار الجمهور .