المسألة الثانية: الأزلام القداح واحدها زلم ، ذكره الأخفش . وإنما سميت القداح بالأزلام لأنها زلمت أي سويت . ويقال: رجل مزلم وامرأة مزلمة إذا كان خفيفًا قليل العلائق ، ويقال قدح مزلم وزلم إذا ظرف وأجيد قده وصنعته ، وما أحسن ما زلم سهمه ، أي سواه ، ويقال لقوائم البقر أزلام ، شبهت بالقداح للطافتها .
ثم قال تعالى: { ذلكم فِسْقٌ } وفيه وجهان: الأول: أن يكون راجعًا إلى الاستقسام بالأزلام فقط ومقتصرًا عليه . والثاني: أن يكون راجعًا إلى جميع ما تقدم ذكره من التحليل والتحريم ، فمن خالف فيه رادًا على الله تعالى كفر .
فإن قيل: على القول الأول لم صار الاستقسام بالأزلام فسقًا؟ أليس أنه A كان يحب الفأل ، وهذا أيضًا من جملة الفأل فلم صار فسقًا؟
قلنا: قال الواحدي: إنما يحرم ذلك لأنه طلب لمعرفة الغيب ، وذلك حرام لقوله تعالى: { وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا } [ لقمان: 34 ] وقال { قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السموات والأرض الغيب إِلاَّ الله } [ النمل: 65 ] وروى أبو الدرداء عن رسول الله A أنه قال: « من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة » . ولقائل أن يقول: لو كان طلب الظن بناء على الإمارات المتعارفة طلبًا لمعرفة الغيب لزم أن يكون علم التعبير غيبًا أو كفرًا لأنه طلب للغيب ، ويلزم أن يكون التمسك بالفأل كفرًا لأنه طلب للغيب ، ويتعين أن يكون أصحاب الكرامات المدعون للإلهامات كفارًا ، ومعلوم أن ذلك كله باطل ، وأيضًا فالآيات إنما وردت في العلم ، والمستقسم بالأزلام نسلم أنه لا يستفيد من ذلك علمًا وإنما يستفيد من ذلك ظنًا ضعيفًا ، فلم يكن ذلك داخلًا تحت هذه الآيات . وقال قوم آخرون أنهم كانوا يحملون تلك الأزلام عند الأصنام ويعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام فبإرشاد الأصنام وإعانتهم ، فلهذا السبب كان ذلك فسقًا وكفرًا ، وهذا القول عندي أولى وأقرب .
قوله تعالى: { اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون } .
اعلم أنه تعالى لما عدد فيما مضى ما حرّمه من بهيمة الأنعام وما أحله منها ختم الكلام فيها بقوله { ذلكم فِسْقٌ } والغرض منه تحذير المكلفين عن مثل تلك الأعمال ، ثم حرضهم على التمسك بما شرع لهم بأكمل ما يكون فقال { اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } أي فلا تخافوا المشركين في خلافكم إياهم في الشرائع والأديان ، فإني أنعمت عليكم بالدولة القاهرة والقوة العظيمة وصاروا مقهورين لكم ذليلين عندكم ، وحصل لهم اليأس من أن يصيروا قاهرين لكم مستولين عليكم ، فإذا صار الأمر كذلك فيجب عليكم أن لا تلتفتوا إليهم ، وأن تقبلوا على طاعة الله تعالى والعمل بشرائعه وفي الآية مسائل: