{ حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ } [ التوبة: 29 ] فمن أعطى الجزية حل ، ومن لم يعط لم يحل .
المسألة الرابعة: اتفقوا على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، وروي عن ابن المسيب أنه قال: إذا كان المسلم مريضًا فأمر المجوسي أن يذكر الله ويذبح فلا بأس ، وقال أبو ثور: وإن أمرة بذلك في الصحة فلا بأس .
المسألة الخامسة: قال الكثير من الفقهاء: إنما يحل نكاح الكتابية التي دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول القرآن ، قالوا: والدليل عليه قوله { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } فقوله { مِن قَبْلِكُمْ } يدل على أن من دان الكتاب بعد نزول الفرقان خرج عن حكم الكتاب .
ثم قال تعالى: { إذا أتيتموهن أجورهن } وتقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على تأكد وجوبها وأن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني ، وتسمية المهر بالأجر يدل على أن الصداق لا يتقدر ، كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الإجارات .
ثم قال تعالى: { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } قال الشعبي: الزنا ضربان: السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان ، واتخاذ الخدن وهو الزنا في السر ، والله تعالى حرّمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الاحصان وهو التزوج .
ثم قال تعالى: { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أن المقصود منه الترغيب فيما تقدم من التكاليف والأحكام ، يعني ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة ، والثاني: قال القفال: المعنى أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم في الدنيا فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفرق بينهم وبين المشركين في أحوال الآخرة وفي الثواب والعقاب ، بل كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة .
المسألة الثانية: قوله { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } فيه إشكال ، وهو أن الكفر إنما يعقل بالله ورسوله ، فأما الكفر بالإيمان فهو محال ، فلهذا السبب اختلف المفسرون على وجوه: الأول: قال ابن عباس ومجاهد { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان } أي ومن يكفر بالله ، إنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى رب الإيمان ، ورب الشيء قد يسمى باسم ذلك الشيء على سبيل المجاز ، والثاني: قال الكلبي { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان } أي بشهادة أن لا إله إلاّ الله ، فجعل كلمة التوحيد إيمانًا ، فإن الإيمان بها لما كان واجبًا كان الإيمان من لوازمها بحسب أمر الشرع ، وإطلاق اسم الشيء على لازمه مجاز مشهور ، والثالث: قال قتادة: إن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نتزوج نساءهم مع كونهم على غير ديننا!فأنزل الله تعالى هذه الآية أي ، ومن يكفر بما نزل في القرآن فهو كذا وكذا ، فسمى القرآن إيمانًا لأنه هو المشتمل على بيان كل ما لا بدّ منه في الإيمان .