فهرس الكتاب

الصفحة 2479 من 8321

وأعلم أن مذهب داود في مسألة الطلاق غير معلوم: فلعله يلتزم العموم ، وأيضًا فله أن يقول: إنا قد دللنا على أن كلمة { إِذَا } في هذه الآية تفيد العموم لأن التكاليف الواردة في القرآن مبناها على التكرير ، وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم ، فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبني الأمر فيها على التكرير ، وأما الفقهاء فإنهم استدلوا على صحة قولهم بما روي أن النبي A كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم الفتح فإنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد . قال عمر Bه: فقلت له في ذلك فقال: عمدًا فعلت ذلك يا عمر .

أجاب داود بأنا ذكرنا أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ، وأيضًا فهذا الخبر يدل على أنه A كان مواظبًا على تجديد الوضوء لكل صلاة ، وهذا يقتضي وجوب ذلك علينا لقوله تعالى: { فاتبعوه } [ سبأ: 20 ] بقي أن يقال: قد جاء في هذا الخبر أنه ترك ذلك يوم الفتح ، فنقول: لما وقع التعارض فالترجيح معنا من وجوه: الأول: هب أن التجديد لكل صلاة ليس بواجب لكنه مندوب ، والظاهر أن الرسول A كان يزيد في يوم الفتح في الطاعات ولا ينقص منها ، لأن ذلك اليوم هو يوم إتمام النعمة عليه ، وزيادة النعمة من الله تناسب زيادة الطاعات لا نقصانها . والثاني: أن الاحتياط لا شك أنه من جانبنا فيكون راجحًا لقوله E: « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » الثالث: أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد . والرابع: أن دلالة القرآن على قولنا لفظية ، ودلالة الخبر الذي رويتم على قولكم فعلية ، والدلالة القولية أقوى من الدلالة الفعلية ، لأن الدلالة القولية غنية عن الفعلية ولا ينعكس ، فهذا ما في هذه المسألة والله أعلم .

والأقوى في إثبات المذهب المشهور أن يقال: لو وجب الوضوء لكل صلاة لكان الموجب للوضوء هو القيام إلى الصلاة ولم يكن لغيره تأثير في إيجاب الوضوء ، لكن ذلك باطل لأنه تعالى قال في آخر هذه الآية { أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } [ النساء: 43 ] أوجب التيمم على المتغوط والمجامع إذا لم يجد الماء ، وذلك يدل على كون كل واحد منهما سببًا لوجوب الطهارة عند وجود الماء ، وذلك يقتضي أن يكون وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة ، وذلك يدل على ما قلناه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت