فهرس الكتاب

الصفحة 2480 من 8321

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن هذه الآية هل تدل على كون الوضوء شرطًا لصحة الصلاة؟ والأصح أنها تدل عليه من وجهين: الأول: أنه تعالى علق فعل الصلاة على الطهور بالماء ، ثم بيّن أنه متى عدم لا تصح إلا بالتيمم ، ولو لم يكن شرطًا لما صح ذلك . الثاني: أنه تعالى إنما أمر بالصلاة مع الوضوء ، فالآتي بالصلاة بدون الوضوء تارك للمأمور به ، وتارك المأمور به يستحق العقاب ، ولا معنى للبقاء في عهدة التكليف إلا ذلك ، فإذا ثبت هذا ظهر كون الوضوء شرطًا لصحة الصلاة بمقتضى هذه الآية .

المسألة الخامسة: قال الشافعي C: النيّة شرط لصحة الوضوء والغسل . وقال أبو حنيفة C: ليس كذلك .

وأعلم أن كل واحد منهما يستدل لذلك بظاهر هذه الآية .

أما الشافعي C فإنه قال: الوضوء مأمور به ، وكل مأمور به يجب أن يكون منويًا فالوضوء يجب أن يكون منويًا ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون شرطًا لأنه لا قائل بالفرق ، وإنما قلنا: إن الوضوء مأمور به لقوله { اغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين } [ المائدة: 6 ] ولا شك أن قوله { فاغسلوا } { وامسحوا } أمر ، وإنما قلنا: إن كل مأمور به أن يكون منويًا لقوله تعالى: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ البينة: 5 ] واللام في قوله { لِيَعْبُدُواْ } ظاهر للتعليل ، لكن تعليل أحكام الله تعالى محال ، فوجب حمله على الباء لما عرف من جواز إقامة حروف الجر بعضها مقام بعض ، فيصير التقدير: وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله مخلصين له الدين ، والإخلاص عبارة عن النية الخالصة ، ومتى كانت النية الخالصة معتبرة كان أصل النية معتبرًا . وقد حققنا الكلام في هذا الدليل في تفسير قوله تعالى: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } فليرجع إليه في طلب زيادة الاتقان ، فثبت بما ذكرنا أن كل وضوء مأمور به ، وثبت أن كل مأمور به يجب أن يكون منويًا فلزم القطع بأن كل وضوء يجب أن يكون منويًا أقصى ما في الباب أن قولنا: كل مأمور به يجب أن يكون منويًا مخصوص في بعض الصور ، لكنا إنما أثبتنا هده المقدمة بعموم النص ، والعام حجة في غير محل التخصيص .

وأما أبو حنيفة C فإنه احتج بهذه الآية على أن النية ليست شرطًا لصحة الوضوء ، فقال: إنه تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة في هذه الآية ولم يوجب النية فيها ، فإيجاب النية زيادة على النص ، والزيادة على النص نسخ ، ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس لا يجوز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت