فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 8321

الفائدة الثالثة: أنه قال: «إذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى: «ذكرني عبدي» وفيه أحكام: أحدها: أنه تعالى قال: { فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة: 152 ] فههنا لما أقدم العبد على ذكر الله لا جرم ذكره تعالى في ملأ خير من ملائه . وثانيها: أن هذا يدل على أن مقام الذكر مقام عالٍ شريف في العبودية ، لأنه وقع الابتداء به ، ومما يدل على كماله أنه تعالى أمر بالذكر فقال: { اذكرونى أَذْكُرْكُمْ } ثم قال: { ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْرًا كَثِيرًا } [ الأحزاب: 41 ] ثم قال: { الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُودًا وعلى جُنُوبِهِمْ } [ آل عمران: 191 ] ثم قال: { إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طائف مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } [ الأعراف: 201 ] فلم يبالغ في تقرير شيء من مقامات العبودية مثل ما بالغ في تقرير مقام الذكر . وثالثها: إن قوله:"ذكرني عبدي"يدل على أن قولنا: «الله» اسم علم لذاته المخصوصة ، إذ لو كان اسمًا مشتقًا لكان مفهومه مفهومًا كليًا ، ولو كان كذلك لما صارت ذاته المخصوصة المعينة مذكورة بهذا اللفظ ، فظاهر أن لفظي الرحمن الرحيم لفظان كليان ، فثبت أن قوله: «ذكرني عبدي» يدل على أن قولنا الله اسم علم ، أما قوله: «وإذا قال الحمد لله يقول الله تعالى حمدني عبدي» فهذا يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر ويدل عليه أن أول كلام ذكر في أول خلق العالم هو الحمد ، بدليل قول الملائكة قبل خلق آدم { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } [ البقرة: 30 ] وآخر كلام يذكر بعد فناء العالم هو الحمد أيضًا ، بدليل قوله تعالى في صفة أهل الجنة { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [ يونس: 10 ] والعقل أيضًا يدل عليه؛ لأن الفكر في ذات الله غير ممكن ، لقوله E:"تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق"ولأن الفكر في الشيء مسبوق بسبق تصوره ، وتصور كنه حقيقة الحق غير ممكن ، فالفكر فيه غير ممكن فعلى هذا الفكر لا يمكن إلا في أفعاله ومخلوقاته ، ثم ثبت بالدليل أن الخير مطلوب بالذات ، والشر بالعرض فكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه أكثر ، فلا جرم كان اشتغاله بالحمد والشكر أكثر ، فلهذا قال: الحمد لله رب العالمين ، وعند هذا يقول: حمدني عبدي ، فشهد الحق سبحانه بوقوف العبد بعقله وفكره على وجود فضله وإحسانه في ترتيب العالم الأعلى والعالم الأسفل ، وعلى أن لسانه صار موافقًا لعقله ومطابقًا له ، وإن غرق في بحر الإيمان به والإقرار بكرمه بقلبه ولسانه وعقله وبيانه ، فما أجل هذه الحالة .

وأما قوله: «وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي» فلقائل أن يقول: إنه لما قال بسم الله الرحمن الرحيم فقد ذكر الرحمن الرحيم وهناك لم يقل الله عظمني عبدي ، وههنا لما قال الرحمن الرحيم قال عظمني عبدي فما الفرق؟ وجوابه أن قوله الحمد لله دل على إقرار العبد بكماله في ذاته ، وبكونه مكملًا لغيره ، ثم قال بعده: رب العالمين ، وهذا يدل على أن الإله الكامل في ذاته المكمل لغيره واحد ليس له شريك ، فلما قال بعده الرحمن الرحيم دل ذلك على أن الإله الكامل في ذاته المكمل لغيره المنزه عن الشريك والنظير والمثل والضد والند في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام ، فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا: «عظمني عبدي» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت