[ البقرة: 40 ] ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنزل الله هذه السورة على محمد عليه السلام وجعل النصف الأول منها في معرفة الربوبية ، والنصف الثاني منها في معرفة العبودية ، حتى تكون هذه السورة جامعة لكل ما يحتاج إليه في الوفاء بذلك العهد .
الفائدة الثانية: الله تعالى سمى الفاتحة باسم الصلاة ، وهذا يدل على أحكام: الحكم الأول: أن عند عدم قراءة الفاتحة وجب أن لا تحصل الصلاة ، وذلك يدل على أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة ، كما يقوله أصحابنا ويتأكد هذا الدليل بدلائل أخرى: أحدها: أنه E واظب على قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى: { فاتبعوه } ولقوله E: « صلوا كما رأتيموني أصلي » . وثانيها: أن الخلفاء الراشدين واظبوا على قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك ، لقوله E: « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي » وثالثها: أن جميع المسلمين شرقًا وغربًا لا يصلون إلا بقراءة الفاتحة فوجب أن تكون متابعتهم واجبة في ذلك لقوله تعالى: { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نُوَلّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } [ النساء: 115 ] ورابعها: قوله E: « لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب » خامسها: قوله تعالى: { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } [ المزمل: 20 ] وقوله: { فاقرؤا } أمر ، وظاهره الوجوب ، فكانت قراءة ما تيسر من القرآن واجبة ، وقراءة غير الفاتحة ليست واجبة فوجب أن تكون قراءة الفاتحة واجبة عملًا بظاهر الأمر ، وسادسها: أن قراءة الفاتحة أحوط فوجب المصير إليها ، لقوله عليه السلام: « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » وسابعها: أن الرسول عليه السلام واظب على قراءتها فوجب أن يكون العدول عنه محرمًا لقوله تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ } [ النور: 63 ] وثامنها: أنه لا نزاع بين المسلمين أن قراءة الفاتحة في الصلاة أفضل وأكمل من قراءة غيرها ، إذا ثبت هذا فنقول: التكليف كان متوجهًا على العبد بإقامة الصلاة ، والأصل في الثابت البقاء حكمنا بالخروج عن هذه العهدة عند الإيتاء بالصلاة مؤداة بقراءة الفاتحة ، وقد دللنا على أن هذه الصلاة أفضل من الصلاة المؤداة بقراءة غير الفاتحة ولا يلزم من الخروج عن العهدة بالعمل الكامل الخروج عن العهدة بالعمل الناقص ، فعند إقامة الصلاة المشتملة على قراءة غير الفاتحة وجب البقاء في العهدة ، وتاسعها: أن المقصود من الصلاة حصول ذكر القلب ، لقوله تعالى: { وأقم الصلاة لذكري } [ طه: 14 ] وهذه السورة مع كونها مختصرة ، جامعة لمقامات الربوبية والعبودية والمقصود من جميع التكاليف حصول هذه المعارف ولهذا السبب جعل الله هذه السورة معادلة لكل القرآن في قوله: { وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني والقرءان العظيم } [ الحجر: 87 ] فوجب أن لا يقوم غيرها مقامها ألبتة . وعاشرها: أن هذا الخبر الذي رويناه يدل على أن عند فقدان الفاتحة لا تحصل الصلاة .