فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 8321

وأما قوله: «وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» وتقريره أنا نرى أهل العالم مختلفين في النفي والإثبات في جميع المسائل الإلهية ، وفي جميع مسائل النبوات ، وفي جميع مسائل المعاد ، والشبهات غالبة ، والظلمات مستولية ، ولم يصل إلى كنه الحق إلا القليل القليل من الكثير الكثير ، وقد حصلت هذه الحالة مع استواء الكل في العقول والأفكار والبحث الكثير والتأمل الشديد؛ فلولا هداية الله تعالى وإعانته وأنه يزين الحق في عين عقل الطالب ويقبح الباطل في عينه كما قال: { ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان } [ الحجرات: 7 ] وإلا لامتنع وصول أحد إلى الحق ، فقوله: { اهدنا الصراط المستقيم } إشارة إلى هذه الحالة ، ويدل عليه أيضًا أن المبطل لا يرضى بالباطل ، وإنما طلب الاعتقاد الحق والدين المتين والقول الصحيح ، فلو كان الأمر باختياره لوجب أن لا يقع أحد في الخطأ؛ ولما رأينا الأكثرين غرقوا في بحر الضلالات علمنا أن الوصول إلى الحق ليس إلا بهداية الله تعالى ، ومما يقوي ذلك أن كل الملائكة والأنبياء أطبقوا على ذلك ، أما الملائكة فقالوا: { سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ العليم الحكيم } [ البقرة: 32 ] وقال آدم عليه السلام: { وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } [ الأعراف: 23 ] وقال إبراهيم عليه السلام: { لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لاَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } [ الأنعام: 77 ] وقال يوسف عليه السلام: { تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } [ يوسف: 101 ] وقال موسى عليه السلام: { رَبّ اشرح لِى صَدْرِى } [ طه: 25 ] الآية وقال محمد عليه السلام: { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوهاب } [ آل عمران: 8 ] فهذا هو الكلام في لطائف هذاالخبر والذي تركناه أكثر مما ذكرناه .

الفائدة الرابعة: من فوائد هذا الخبر أن آيات الفاتحة سبع ، والأعمال المحسوسة أيضًا في الصلاة سبعة ، وهي: القيام ، والركوع ، والانتصاب ، والسجود الأول ، والانتصاب فيه ، والسجود الثاني والقعدة ، فصار عدد آيات الفاتحة مساويًا لعدد هذه الأعمال ، فصارت هذه الأعمال كالشخص ، والفاتحة لها كالروح ، والكمال إنما يحصل عند اتصال الروح بالجسد ، فقوله: { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } بإزاء القيام ، ألا ترى أن الباء في بسم الله لما اتصل باسم الله بقي قائمًا مرتفعًا ، وأيضًا فالتسمية لبداية الأمور ، قال E:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت