فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 8321

« كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر » وقال تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى } [ الأعلى: 14 ، 15 ] وأيضًا القيام لبداية الأعمال ، فحصلت المناسبة بين التسمية وبين القيام من هذه الوجوه ، وقوله تعالى: { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } بإزاء الركوع ، وذلك لأن العبد في مقام التحميد ناظر إلى الحق وإلى الخلق؛ لأن التحميد عبارة عن الثناء عليه بسب الإنعام الصادر منه ، والعبد في هذا المقام ناظر إلى المنعم وإلى النعمة ، فهو حالة متوسطة بين الإعراض وبين الاستغراق ، والركوع حالة متوسطة بين القيام وبين السجود وأيضًا ، الحمد يدل على النعم الكثيرة ، والنعم الكثيرة مما تثقل ظهره ، فينحني ظهره للركوع وقوله: { الرحمن الرحيم } مناسب للانتصاب لأن العبد لما تضرع إلى الله في الركوع فيليق برحمته أن يرده إلى الانتصاب ، ولذلك قال عليه السلام: « إذا قال العبد سمع الله لمن حمده نظر الله إليه بالرحمة » وقوله: { مالك يَوْمِ الدين } مناسب للسجدة الأولى: لأن قولك مالك يوم الدين يدل على كمال القهر والجلال والكبرياء ، وذلك يوجب الخوف الشديد ، فيليق به الإتيان بغاية الخضوع والخشوع ، وهو السجدة؛ وقوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } مناسب للقعدة بين السجدتين ، لأن قوله إياك نعبد إخبار عن السجدة التي تقدمت ، وقوله وإياك نستعين استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية . وأما قوله: { اهدنا الصراط المستقيم } فهو سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة الثانية الدالة على نهاية الخضوع . وأما قوله: { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } إلى آخره فهو مناسب للقعدة ، وذلك لأن العبد لما أتى بغاية التواضع قابل الله تواضعه بالإكرام ، وهو أن أمره بالقعود بين يديه ، وذلك إنعام عظيم من الله على العبد ، فهو شديد المناسبة لقوله أنعمت عليهم ، وأيضًا أن محمدًا عليه السلام لما أنعم الله عليه بأن رفعه إلى قاب قوسين قال عند ذلك: « التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، » والصلاة معراج المؤمن ، فلما وصل المؤمن في معراجه إلى غاية الإكرام وهي أن جلس بين يدي الله وجب أن يقرأ الكلمات التي ذكرها محمد عليه السلام ، فهو أيضًا يقرأ التحيات ، ويصير هذا كالتنبيه على أن هذا المعراج الذي حصل له شعلة من شمس معراج محمد عليه السلام وقطرة من بحره وهو تحقيق قوله: { فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين } [ النساء: 69 ] الآية .

واعلم أن آيات الفاتحة وهي سبع صارت كالروح لهذه الأعمال السبعة ، وهذه الأعمال السبعة صارت كالروح للمراتب السبعة المذكورة في خلقة الإنسان ، وهي قوله: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } [ المؤمنون: 12 ] إلى قوله: { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون: 14 ] وعند هذا ينكشف أن مراتب الأجساد كثيرة ، ومراتب الأرواح كثيرة ، وروح الأرواح ونور الأنوار هو الله تعالى ، كما قال سبحانه وتعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت