{ وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى } [ النجم: 42 ] .
الفصل الخامس:
في أن الصلاة معراج العارفين .
الصلاة معراج العارفين:
اعلم أنه كان لرسول الله A معراجان: أحدهما: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، والآخر من الأقصى إلى أعالي ملكوت الله تعالى ، فهذا ما يتعلق بالظاهر ، وأما ما يتعلق بعالم الأرواح فله معراجان: أحدهما: من عالم الشهادة إلى عالم الغيب . والثاني: من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب ، وهما بمنزلة قاب قوسين متلاصقين ، فتخطاهما محمد عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى: { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى } [ النجم: 9 ] وقوله: { أَوْ أدنى } إشارة إلى فنائه في نفسه ، أما الانتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فاعلم أن كل ما يتعلق بالجسم والجسمانيات فهو من عالم الشهادة ، لأنك تشاهد هذه الأشياء ببصرك ، فانتقال الروح من عالم الأجساد إلى عالم الأرواح هو السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، وأما عالم الأرواح فعالم لا نهاية له ، وذلك لأن آخر مراتب الأرواح هو الأرواح البشرية ، ثم تترقى في معارج الكمالات ومصاعد السعادات حتى تصل إلى الأرواح المتعلقة بسماء الدنيا ثم تصير أعلى وهي أرواح السماء الثانية وهكذا حتى تصل إلى الأرواح الذين هم سكان درجات الكرسي ، وهي أيضًا متفاوتة في الاستعلاء ، ثم تصير أعلى وهم الملائكة المشار إليهم بقوله تعالى: { وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش } [ الزمر: 75 ] ثم تصير أعلى وأعظم وهم المشار إليهم بقوله تعالى: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية } [ الحاقة: 17 ] وفي عدد الثمانية أسرار لا يجوز ذكرها ههنا ثم تترقى فتنتهي إلى الأرواح المقدسة عن التعلقات بالأجسام ، وهم الذين طعامهم ذكر الله ، وشرابهم محبة الله ، وأنسهم بالثناء على الله ، ولذتهم في خدمة الله ، وإليهم الإشارة بقوله: { وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [ الأنبياء: 19 ] وبقوله: { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء: 20 ] ثم لهم أيضًا درجات متفاوتة ، ومراتب متباعدة ، والعقول البشرية قاصرة عن الإحاطة بأحوالها ، والوقوف على شرح صفاتها ، ولا يزال هذا الترقي والتصاعد حاصلًا كما قال تعالى: { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } [ يوسف: 76 ] إلى أن ينتهي الأمر إلى نور الأنوار ، ومسبب الأسباب ، ومبدأ الكل ، وينبوع الرحمة ، ومبدأ الخير ، وهو الله تعالى ، فثبت أن عالم الأرواح هو عالم الغيب ، وحضرة جلال الربوبية هي غيب الغيب ، ولذلك قال E: « إن لله سبعين حجابًا من النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك البصر » وتقدير عدد تلك الحجب بالسبعين مما لا يعرف إلا بنور النبوة .
فقد ظهر بما ذكرنا أن المعراج على قسمين: أولهما: المعراج من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، والثاني: المعراج من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب ، وهذه كلمات برهانية يقينية حقيقية .