فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 8321

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى المقصود فنقول: إن محمدًا عليه السلام لما وصل إلى المعراج وأراد أن يرجع قال:"يا رب العزة إن المسافر إذا أراد أن يعود إلى وطنه احتاج إلى محمولات يتحف بها أصحابه وأحبابه ، فقيل له: إن تحفة أمتك الصلاة"وذلك لأنها جامعة بين المعراج الجسماني ، وبين المعراج الروحاني: أما الجسماني فبالأفعال ، وأما الروحاني فبالأذكار ، فإذا أردت أيها العبد الشروع في هذا المعراج فتطهر أولًا ، لأن المقام مقام القدس ، فليكن ثوبك طاهرًا ، وبدنك طاهرًا لأنك بالوادي المقدس طوى ، وأيضًا فعندك ملك وشيطان ، فانظر أيهما تصاحب: ودين ودنيا ، فانظر أيهما تصاحب: وعقل وهوى ، فانظر أيهما تصاحب: وخير وشر ، وصدق وكذب ، وحق وباطل ، وحلم وطيش ، وقناعة وحرص؛ وكذا القول في كل الأخلاق المتضادة والصفات المتنافية ، فانظر أنك تصاحب أي الطرفين وتوافق أي الجانبين فإنه إذا استحكمت المرافقة تعذرت المفارقة ، ألا ترى أن الصديق اختار صحبة محمد عليه السلام فلزمه في الدنيا ، وفي القبر ، وفي القيامة ، وفي الجنة وأن كلبًا صحب أصحاب الكهف فلزمهم في الدنيا ، وفي الآخرة ، ولهذا السر قال تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين } [ التوبة: 119 ] ثم إذا تطهرت فارفع يديك ، وذلك الرفع إشارة إلى توديع عالم الدنيا وعالم الآخرة فاقطع نظرك عنهما بالكلية ، ووجه قلبك وروحك وسرك وعقلك وفهمك وذكرك وفكرك إلى الله ، ثم قل: الله أكبر ، والمعنى أنه أكبر من كل الموجودات ، وأعلى وأعظم وأعز من كل المعلومات ، بل هو أكبر من أن يقاس إليه شيء أو يقال أنه أكبر ، ثم قل: سبحانك اللهم وبحمدك ، وفي هذا المقام تجلى لك نور سبحات الجلال ، ثم ترقيت من التسبيح إلى التحميد ثم قل: تبارك اسمك ، وفي هذا المقام انكشف لك نور الأزل والأبد ، لأن قوله تبارك إشارة إلى الدوام المنزه عن الإفناء والإعدام ، وذلك يتعلق بمطالعة حقيقة الأزل في العدم ، ومطالعة حقيقة الأبد في البقاء ، ثم قل: وتعالى جدك ، وهو إشارة إلى إنه أعلم وأعظم من أن تكون صفات جلاله ونعوت كماله محصورة في القدر المذكور ، ثم قل: ولا إله غيرك ، وهو إشارة إلى أن كل صفات الجلال وسمات الكمال له لا لغيره ، فهو الكامل الذي لا كامل إلا هو ، والمقدس الذي لا مقدس إلا هو ، وفي الحقيقة لا هو إلا هو ولا إله إلا هو ، والعقل ههنا ينقطع ، واللسان يعتقل ، والفهم يتبلد ، والخيال يتحير ، والعقل يصير كالزمن ، ثم عد إلى نفسك وحالك وقل: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ، فقولك: «سبحانك اللهم وبحمدك» معراج الملائكة المقربين ، وهو المذكور في قوله: { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } [ البقرة: 30 ] وهو أيضًا معراج محمد عليه السلام ، لأن معراجه مفتتح بقوله: «سبحانك اللهم وبحمدك» وأما قولك: «وجهت وجهي» فهو معراج إبراهيم الخليل عليه السلام ، وقولك: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله» فهو معراج محمد الحبيب عليه السلام ، فإذا قرأت هذين الذكرين فقد جمعت بين معراج أكابر الملائكة المقربين وبين معراج عظماء الأنبياء والمرسلين ، ثم إذا فرغت من هذه الحالة فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، لتدفع ضرر العجب من نفسك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت