خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها ... فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى
إذا جاءنا السجان يومًا لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
قال الشافعي C: هذا النفي المذكور في الآية محمول على وجهين: الأول: أن هؤلاء المحاربين إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد ، وإن لم يأخذهم طلبهم أبدًا فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي . الثاني: القوم الذين يحضرون الواقعة ويكثرون جمع هؤلاء المحاربين ويخيفون المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد ، وإن لم يأخذهم طلبهم أبدًا . فيقوم الشافعي هاهنا: إن الإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم ، فالمراد بنفيهم عن الأرض هو هذا الحبس لا غير ، والله أعلم .
ثم قال تعالى: { ذلك لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدنيا } أي فضيحة وهوان { وَلَهُمْ فِى الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
قالت المعتزلة: الآية دالة على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة ، ودالة على أن قتلهم قد أحبط ثوابهم ، لأنه تعالى حكم بأن ذلك لهم خزي في الدنيا والآخرة ، وذلك يدل على كونهم مستحقين للذم ، وكونهم مستحقين للذم في الحال يمنع من بقاء استحاقهم للمدح والتعظيم لما أن ذلك جمع بين الضدين ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت القول بالقطع بوعيد الفساق ، وثبت القول بالإحباط .
والجواب: لا نزاع بيننا وبينكم في أن هذا الحد إنما يكون واقعًا على جهة الخزي والاستخفاف إذا لم تحصل التوبة ، فأما عند حصول التوبة فإن هذا الحد لا يكون على جهة الخزي والاستخفاف ، بل يكون على جهة الامتحان ، فإذا جاز لكم أن تشترطوا هذا الحكم بعدم التوبة لدليل دل على اعتبار هذا الشرط ، فنحن أيضًا نشرط هذا الحكم بشرط عدم العفو ، وحينئذ لا يبقى الكلام إلاّ في أنه هل دلّ هذا الدليل على أنه تعالى يعفو عن الفساق أم لا؟ وقد ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة: 81 ] ثم قال تعالى: