فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 8321

إذا عرفت هذا فنقول: الحق سبحانه وتعالى له عرش ، وكرسي ، فعقد المكان بالكرسي فقال: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض } [ البقرة: 255 ] وعقد الزمان بالعرش فقال: { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء } [ هود: 7 ] لأن جري الزمان يشبه جري الماء ، فلا مكان وراء الكرسي ، ولا زمان وراء العرش ، فالعلو صفة الكرسي وهو قوله: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض } والعظمة صفة العرش وهو قوله: { فَقُلْ حَسْبِىَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم } [ التوبة: 129 ] وكمال العلو والعظمة لله كما قال: { وَلاَ يُؤَدّهِ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العلى العظيم } [ البقرة: 255 ] .

واعلم أن العلو والعظمة درجتان من درجات الكمال ، إلا أن درجة العظمة أكمل وأقوى من درجة العلو ، وفوقهما درجة الكبرياء قال تعالى: « الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري » ، ولا شك أن الرداء أعظم من الإزار ، وفوق جميع هذه الصفات بالرتبة والشرف صفة الجلال ، وهي تقدسه في حقيقته المخصوصة وهويته المعينة عن مناسبة شيء من الممكنات ، وهو لتلك الهوية المخصوصة استحق صفة الإلهية ، فلهذا المعنى قال E: « ألظوا بياذا الجلال والإكرام » ، وقال: { ويبقى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الجلال والإكرام } [ الرحمن: 27 ] وقال: { تبارك اسم رَبّكَ ذِى الجلال والإكرام } [ الرحمن: 78 ] إذا عرفت هذا الأصل فاعلم أن المصلى إذا قصد الصلاة صار من جملة من قال الله في صفتهم: { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [ الأنعام: 52 ، الكهف: 28 ] ومن أراد الدخول على السلطان العظيم وجب عليه أن يطهر نفسه من الأدناس والأنجاس ، ولهذا التطهير مراتب: المرتبة الأولى: التطهير من دنس الذنوب بالتوبة ، كما قال تعالى: { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا } [ التحريم: 8 ] ومن كان في مقام الزهد كانت طهارته من الدنيا حلالها وحرامها ، ومن كان في مقام الإخلاص كانت طهارته من الالتفات إلى أعماله ، ومن كان في مقام المحسنين كانت طهارته من الالتفات إلى حسناته ، ومن كان في مقام الصديقين كانت طهارته من كل ما سوى الله ، وبالجملة فالمقامات كثيرة والدرجات متفاوتة كأنها غير متناهية ، كما قال تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ الله التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله } [ الروم: 30 ] فإذا أردت أن تكون من جملة من قال الله فيهم: { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } فقم قائمًا واستحضر في نفسك جميع مخلوقات الله تعالى من عالم الأجسام والأرواح وذلك بأن تبتدىء من نفسك وتستحضر في عقلك جملة أعضائك البسيطة والمركبة وجميع قواك الطبيعية والحيوانية والإنسانية ، ثم استحضر في عقلك جملة ما في هذا العالم من أنواع المعادن والنبات والحيوان من الإنسان وغيره ، ثم ضم إليه البحار والجبال والتلال والمفاوز وجملة ما فيها من عجائب النبات والحيوان وذرات الهباء ، ثم ترق منها إلى سماء الدنيا على عظمها واتساعها ، ثم لا تزال ترقى من سماء إلى سماء حتى تصل إلى سدرة المنتهى والرفرف واللوح والقلم والجنة والنار والكرسي والعرش العظيم ، ثم انتقل من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح واستحضر في عقلك جميع الأرواح الأرضية السفلية البشرية وغير البشرية ، واستحضر جميع الأرواح المتعلقة بالجبال والبحار مثل ما قال الرسول E عن ملك الجبال وملك البحار ثم استحضر ملائكة سماء الدنيا وملائكة جميع السموات السبع كما قال E:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت