فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 8321

"ما في السموات موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو قاعد"واستحضر جميع الملائكة الحافين حول العرش وجميع حملة العرش الكرسي ثم انتقل منها إلى ما هو خارج هذا العالم كما قال تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } [ المدثر: 31 ] فإذا استحضرت جميع هذه الأقسام من الروحانيات والجسمانيات فقل: الله أكبر ، وتريد بقولك: «الله» الذات التي حصل بإيجادها وجود هذه الأشياء وحصلت لها كمالاتها في صفاتها وأفعالها ، وتريد بقولك أكبر أنه منزه عن مشابهتها ومشاكلتها ، بل هو منزه عن أن يحكم العقل بجواز مقايسته بها ومناسبته إليها فهذا هو المراد من قوله في أول الصلاة الله أكبر .

والوجه الثاني: في تفسير هذا التكبير: أنه E قال:"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"فتقول: الله أكبر من أن لا يراني ومن أن لا يسمع كلامي .

والوجه الثالث: أن يكون المعنى الله أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأوهامهم وأفهامهم ، قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: التوحيد أن لا تتوهمه .

الوجه الرابع: أن يكون المعنى الله أكبر من أن يقدر الخلق على قضاء حق عبوديته ، فطاعاتهم قاصرة عن خدمته ، وثنائهم قاصر عن كبريائه ، وعلومهم قاصرة عن كنه صمديته .

واعلم أيها العبد أنك لو بلغت إلى أن يحيط عقلك بجميع عجائب عالم الأجسام والأرواح فإياك أن تحدثك نفسك بأنك بلغت مبادىء ميادين جلال الله فضلًا عن أن تبلغ الغور والمنتهى ونعم ما قال الشاعر:

أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها

ومن دعوات رسول الله عليه السلام وثنائه على الله:"لا ينالك غوص الفكر ، ولا ينتهي إليك نظر ناظر ، ارتفعت عن صفة المخلوقين صفات قدرتك ، وعلا عن ذلك كبرياء عظمتك"وإذا قلت الله أكبر فاجعل عين عقلك في آفاق جلال الله وقل: سبحانك اللهم وبحمدك ، ثم قل: وجهت وجهي ، ثم انتقل منها إلى عالم الأمر والتكليف واجعل سورة الفاتحة مرآة لك تبصر فيها عجائب عالم الدنيا والآخرة ، وتطالع فيها أنوار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا والأديان السالفة والمذاهب الماضية ، وأسرار الكتب الإلهية والشرائع النبوية ، وتصل إلى الشريعة ، ومنها إلى الطريقة ، ومنها إلى الحقيقة ، وتطالع درجات الأنبياء والمرسلين ، ودركات الملعونين والمردودين والضالين ، فإذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم فابصر به الدنيا إذ باسمه قامت السموات والأرضون وإذا قلت الحمد لله رب العالمين أبصرت به الآخرة إذ بكلمة الحمد قامت الآخرة كما قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت