فهرس الكتاب

الصفحة 2591 من 8321

الحجة السابعة: أن قوله: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ } لا شك أنه خطاب مع الأمة ، وهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله ، وإنما ذكر الله تعالى هذا الكلام تطييبًا لقلوب المؤمنين وتعريفًا لهم بأنه لا حاجة بهم إلى اتخاذ الأحباب والأنصار من الكفار ، وذلك لأن من كان الله ورسوله ناصرًا له ومعينًا له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة من اليهود والنصارى وإذا كان كذلك كان المراد بقوله { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ } هو الولاية بمعنى النصرة والمحبة ، ولا شك أن لفظ الولي مذكور مرة واحدة ، فلما أريد به ههنا معنى النصرة امتنع أن يراد به معنى التصرف لما ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معًا .

الحجة الثامنة: أنه تعالى مدح المؤمنين في الآية المتقدمة بقوله { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } [ المائدة: 54 ] فإذا حملنا قوله { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ } على معنى المحبة والنصرة كان قوله { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ } يفيد فائدة قوله { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } وقوله { يجاهدون فِى سَبِيلِ الله } [ المائدة: 54 ] يفيد فائدة قوله { يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ رَاكِعُونَ } [ المائدة: 55 ] فكانت هذه الآية مطابقة لما قبلها مؤكدة لمعناها فكان ذلك أولى ، فثبت بهذه الوجوه أن الولاية المذكورة في هذه الآية يجب أن تكون بمعنى النصرة لا بمعنى التصرف .

أما الوجه الذي عولوا عليه وهو أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، والولاية بمعنى النصرة عامة ، فجوابه من وجهين:

الأول: لا نسلم أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، ولا نسلم أن كلمة { إِنَّمَا } للحصر ، والدليل عليه قوله { إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء } [ يونس: 24 ] ولا شك أن الحياة الدنيا لها أمثال أخرى سوى هذا المثل ، وقال: { إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } [ محمد: 36 ] ولا شك أن اللعب واللهو قد يحصل في غيرها . الثاني: لا نسلم أن الولاية بمعنى النصرة عامة في كل المؤمنين ، وبيانه أنه تعالى قسم المؤمنين قسمين: أحدهما: الذين جعلهم موليًا عليهم وهم المخاطبون بقوله { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله } والثاني: الأولياء ، وهم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، فإذا فسرنا الولاية ههنا بمعنى النصرة كان المعنى أنه تعالى جعل أحد القسمين أنصارًا للقسم الثاني . ونصرة القسم الثاني غير حاصلة لجميع المؤمنين ، ولو كان كذلك لزم في القسم الذي هم المنصورون أن يكونوا ناصرين لأنفسهم ، وذلك محال ، فثبت أن نصرة أحد قسمي الأمة غير ثابتة لكل الأمة ، بل مخصوصة بالقسم الثاني من الأمة ، فلم يلزم من كون الولاية المذكورة في هذه الآية خاصة أن لا تكون بمعنى النصرة ، وهذا جواب حسن دقيق لا بدّ من التأمل فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت