المسألة الثامنة: الحركات أبعاض المصوتات ، والدليل عليه أن هذه المصوتات قابلة للزيادة والنقصان ولا طرف في جانب النقصان إلا هذه الحركات ، ولأن هذه الحركات إذا مدت حدثت المصوتات وذلك يدل على قولنا .
المسألة التاسعة: الصامت سابق على المصوت المقصور الذي يسمى بالحركة ، بدليل أن التكلم بهذه الحركات موقوف على التكلم بالصامت ، فلو كانت هذه الحركات سابقة على هذه الصوامت لزم الدور ، وهو محال .
الكلام حادث لا قديم:
المسألة العاشرة: الكلام الذي هو متركب من الحروف والأصوات فإنه يمتنع في بديهة العقل كونه قديمًا لوجهين: الأول: أن الكلمة لا تكون كلمة إلا إذا كانت حروفها متوالية فالسابق المنقضي محدث ، لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والآتي الحادث بعد انقضاء الأول لا شك أنه حادث ، والثاني: أن الحروف التي منها تألفت الكلمة إن حصلت دفعة واحدة لم تحصل الكلمة ، لأن الكلمة الثلاثية يمكن وقوعها على التقاليب الستة فلو حصلت الحروف معًا لم يكن وقوعها على بعض تلك الوجوه أولى من وقوعها على سائرها ، ولو حصلت على التعاقب كانت حادثة ، واحتج القائلون بقدم الحروف بالعقل والنقل: أما العقل فهو أن لكل واحد من هذه الحروف ماهية مخصوصة باعتبارها تمتاز عما سواها ، والماهيات لا تقبل الزوال ولا العدم ، فكانت قديمة ، وأما النقل فهو أن كلام الله قديم ، وكلام الله ليس إلا هذه الحروف ، فوجب القول بقدم هذه الحروف ، أما أن كلام الله قديم فلأن الكلام صفة كمال وعدمه صفة نقص ، فلو لم يكن كلام الله قديمًا لزم أن يقال إنه تعالى كان في الأزل ناقصًا ثم صار فيما لا يزال كاملًا ، وذلك بإجماع المسلمين باطل ، وإنما قلنا إن كلام الله تعالى ليس إلا هذه الحروف لوجوه: أحدها: قوله تعالى: { وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله } [ التوبة: 6 ] ومعلوم أن المسموع ليس إلا هذه الحروف ، فدل هذا على أن هذه الحروف كلام الله ، وثانيها: أن من حلف على سماع كلام الله تعالى فإنه يتعلق البر والحنث بسماع هذه الحروف ، وثالثها: أنه نقل بالتواتر إلينا أن النبي A كان يقول: « إن هذا القرآن المسموع المتلو هو كلام الله » فمنكره منكر لما عرف بالتواتر من دين محمد E فيلزمه الكفر . والجواب عن الأول أن ما ذكرتم غير مختص بماهية دون ماهي ، فيلزمكم قدم الكل ، وعن الثاني أن ما ذكرتم من الاستدلال خفي في مقابلة البديهيات فيكون باطلًا .
وصف كلام الله تعالى بالقدم:
المسألة الحادية عشرة: إذا قلنا لهذه الحروف المتوالية والأصوات المتعاقبة إنها كلام الله تعالى كان المراد أنها ألفاظ دالة على الصفة القائمة بذات الله تعالى فأطلق اسم الكلام عليها على سبيل المجاز ، وأما حديث الحنث والبر فذلك لأن مبنى الأَيمان على العرف ، وإذا قلنا: كلام الله قديم ، لم نعن به إلا تلك الصفة القديمة التي هي مدلول هذه الألفاظ والعبارات . وإذا قلنا: كلام الله معجزة لمحمد A ، عنينا به هذه الحروف وهذه الأصوات التي هي حادثة ، فإن القديم كان موجودًا قبل محمد E فكيف يكون معجزة له؟ وإذا قلنا: كلام الله سور وآيات ، عنينا به هذه الحروف ، وإذا قلنا: كلام الله فصيح ، عنينا به هذه الألفاظ ، وإذا شرعنا في تفسير كلام الله تعالى عنينا به أيضًا هذه الألفاظ .