الأصوات التي نقرأ بها ليست كلام الله:
المسألة الثانية عشرة: زعمت الحشوية أن هذه الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان عين كلام الله تعالى ، وهذا باطل ، لأنا نعلم بالبديهة أن هذه الحروف والأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان صفة قائمة بلسانه وأصواته ، فلو قلنا بأنها عين كلام الله تعالى لزمنا القول بأن الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى وحالة في بدن هذا الإنسان ، وهذا معلوم الفساد بالضرورة ، وأيضًا فهذا عين ما يقوله النصارى من أن أقنوم الكلمة حلت في ناسوت صريح ، وزعموا أنها حالة في ناسوت عيسى عليه السلام ، ومع ذلك فهي صفة لله تعالى ، وغير زائلة عنه ، وهذا عين ما يقوله الحشوية من أن كلام الله تعالى حال في لسان هذا الإنسان مع أنه غير زائل عن ذات الله تعالى ، ولا فرق بين القولين ، إلا أن النصارى قالوا: بهذا القول في حق عيسى وحده ، وهؤلاء الحمقى قالوا بهذا القول الخبيث في حق كل الناس من المشرق إلى المغرب .
المسألة الثالثة عشرة: قالت الكرامية: الكلام اسم للقدرة على القول ، بدليل أن القادر على النطق يقال إنه متكلم ، وإن لم يكن في الحال مشتغلًا بالقول ، وأيضًا فضد الكلام هو الخرس ، لكن الخرس عبارة عن العجز عن القول ، فوجب أن يكون الكلام عبارة عن القدرة على القول ، وإذا ثبت هذا فهم يقولون: إن كلام الله تعالى قديم ، بمعنى أن قدرته على القول قديمة ، أما القول فإنه حادث ، هذا تفصيل قولهم وقد أبطلناه .
خلاف الحشوية والأشعرية في صفة القرآن:
المسألة الرابعة عشرة: قالت الحشوية للأشعرية: إن كان مرادكم من قولكم: «إن القرآن قديم» هو أن هذا القرآن دال على صفة قديمة متعلقة بجميع المأمورات والمحرمات وجب أن يكون كل كتاب صنف في الدنيا قديمًا ، لأن ذلك الكتاب له مدلول ومفهوم ، وكلام الله سبحانه وتعالى لما كان عام التعلق بجميع المتعلقات كان خبرًا عن مدلولات ذلك الكتاب فعلى هذا التقدير لا فرق بين القرآن وبين سائر كتب الفحش والهجو في كونه قديمًا بهذا التفسير ، وإن كان المراد من كونه قديمًا وجهًا آخر سوى ذلك فلا بدّ من بيانه . والجواب أنا لا نلتزم كون كلامه تعالى متعلقًا بجميع المخبرات ، وعلى هذا التقدير فيسقط هذا السؤال .