فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 8321

{ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [ يونس: 10 ] . روي عن علي عليه السلام ، أنه قال: خلق الله العقل من نور مكنون مخزون من سابق علمه ، فجعل العلم نفسه ، والفهم روحه ، والزهد رأسه ، والحياء عينه ، والحكمة لسانه ، والخير سمعه ، والرأفة قلبه ، والرحمة همه ، والصبر بطنه ، ثم قيل له تكلم ، فقال: الحمد لله الذي ليس له ند ولا ضد ولا مثل ولا عدل ، الذي ذل كل شيء لعزته فقال الرب: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أعز عليّ منك وأيضًا نقل أن آدم عليه السلام لما عطس فقال: الحمد لله ، فكان أول كلامه ذلك ، إذا عرفت هذا فنقول: أول مراتب المخلوقات هو العقل ، وآخر مراتبها آدم ، وقد نقلنا أول كلام العقل هو قوله: الحمد لله وأول كلام آدم هو قوله: الحمد ، فثبت أن أول كلام لفاتحة المحدثات هو هذه الكلمة ، وأول كلام لخاتمة المحدثات هو هذه الكلمة ، فلا جرم جعلها الله فاتحة كتابه فقال: { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } وأيضًا ثبت أن أول كلمات الله قوله: الحمد لله ، وآخر أنبياء الله محمد رسول الله ، وبين الأول والآخر مناسبة ، فلا جرم جعل قوله: { الحمد للَّهِ } أول آية من كتاب محمد رسوله ، ولما كان كذلك وضع لمحمد عليه السلام من كلمة الحمد اسمان: أحمد ومحمد؛ وعند هذا قال عليه السلام: « أنا في السماء أحمد ، وفي الأرض محمد » فأهل السماء في تحميد الله ، ورسول الله أحمدهم والله تعالى في تحميد أهل الأرض كما قال تعالى: { فأولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } [ الإسراء: 19 ] ورسول الله محمدهم .

والنكتة الثانية: أن الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالنعمة والرحمة ، فلما كان الحمد أول الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال والأحكام ، فلهذا السبب قال: « سبقت رحمتي غضبي » النكتة الثالثة: أن الرسول اسمه أحمد ، ومعناه أنه أحمد الحامدين أي: أكثرهم حمدًا ، فوجب أن تكون نعم الله عليه أكثر لما بينا أن كثرة الحمد بحسب كثرة النعمة والرحمة ، وإذا كان كذلك لزم أن تكون رحمة الله في حق محمد عليه السلام أكثر منها في حق جميع العالمين ، فلهذا السبب قال: { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء: 107 ] .

النكتة الرابعة: أن المرسل له اسمان مشتقان من الرحمة ، وهما الرحمن الرحيم ، وهما يفيدان المبالغة ، والرسول له أيضًا اسمان مشتقان من الرحمة ، وهما محمد وأحمد ، لأنا بينا أن حصول الحمد مشروط بحصول الرحمة ، فقولنا محمد وأحمد جار مجرى قولنا مرحوم وأرحم . وجاء في بعض الروايات أن من أسماء الرسول: الحمد ، والحامد ، والمحمود ، فهذه خمسة أسماء للرسول دالة على الرحمة؛ إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت