{ نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا الغفور الرحيم } [ الحجر: 49 ] فقوله: نبىء إشارة إلى محمد A ، وهو مذكور قبل العباد ، والياء في قوله: عبادي ضمير عائد إلى الله تعالى والياء في قوله: أني عائد إليه ، وقوله: أنا عائد إليه ، وقول: الغفور الرحيم ، صفتان لله فهي خمسة ألفاظ دالة على الله الكريم الرحيم ، فالعبد يمشي يوم القيامة وقدامه الرسول E مع خمسة أسماء تدل على الرحمة ، وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء الله تدل على الرحمة ، ورحمة الرسول كثيرة كما قال تعالى: { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } ورحمة الله غير متناهية كما قال تعالى: { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } [ الأعراف: 156 ] فكيف يعقل أن يضيع المذنب مع هذه البحار الزاخرة العشرة المملوءة من الرحمة؟ .
وأما فوائد الأسماء الخمسة المذكورة في هذه السورة فأشياء: النكتة الأولى: أن سورة الفاتحة فيها عشرة أشياء ، منها خمسة من صفات الربوبية ، وهي: الله ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، والمالك؛ وخمسة أشياء من صفات العبد وهي: العبودية ، والاستعانة ، وطلب الهداية ، وطلب الاستقامة ، وطلب النعمة كما قال: { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } فانطبقت تلك الأسماء الخمسة على هذه الأحوال الخمسة ، فكأنه قيل: إياك نعبد لأنك أنت الله ، وإياك نستعين لأنك أنت الرب ، إهدنا الصراط المستقيم لأنك أنت الرحمن ، وارزقنا الاستقامة لأنك أنت الرحيم ، وأفض علينا سجال نعمك وكرمك لأنك مالك يوم الدين .
النكتة الثانية: الإنسان مركب من خمسة أشياء: بدنه ، ونفسه الشيطانية ، ونفسه الشهوانية ، ونفسه الغضبية ، وجوهره الملكي العقلي ، فتجلى الحق سبحانه بأسمائه الخمسة لهذه المراتب الخمسة فتجلى اسم الله للروح الملكية العقلية الفلكية القدسية فخضع وأطاع كما قال: { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } [ الرعد: 28 ] وتجلى النفس الشيطانية بالبر والإحسان وهو اسم الرب فترك العصيان وانقاد لطاعة الديان ، وتجلى للنفس الغضبية السبعية باسم الرحمن وهذا الاسم مركب من القهر واللطف كما قال: { الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن } [ الفرقان: 26 ] فترك الخصومة وتجلى للنفس الشهوانية البهيمية باسم الرحيم وهو أنه أطلق المباحات والطيبات كما قال: { أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } [ المائدة: 5 ] فلان وترك العصيان ، وتجلى للأجساد والأبدان بقهر قوله: { مالك يَوْمِ الدين } فإن البدن غليظ كثيف ، فلا بدّ من قهر شديد ، وهو القهر الحاصل من خوف يوم القيامة ، فلما تجلى الحق سبحانه بأسمائه الخمسة لهذه المراتب انغلقت أبواب النيران ، وانفتحت أبواب الجنان . ثم هذه المراتب ابتدأت بالرجوع كما جاءت فأطاعت الأبدان وقالت: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وأطاعت النفوس الشهواينة فقالت: { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } على ترك اللذات والإعراض عن الشهوات ، وأطاعت النفوس الغضبية فقالت: { اهدنا } وأرشدنا وعلى دينك فثبتنا ، وأطاعت النفس الشيطانية وطلبت من الله الاستقامة والصون عن الانحراف فقالت: { اهدنا الصراط المستقيم } وتواضعت الأرواح القدسية الملكية فطلبت من الله أن يوصلها بالأرواح القدسية العالية المطهرة المعظمة فقالت: { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين } .