[ الإسراء: 29 ] قالوا: والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لدفع المال ولإنفاقه ، فأطلقوا اسم السبب على المسبب ، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل . فقيل للجواد: فياض الكف مبسوط اليد ، وبسط البنان تره الأنامل . ويقال للبخيل: كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل .
فإن قيل: فلما كان قوله { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } المراد منه البخل وجب أن يكون قوله { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } المراد منه أيضًا البخل لتصح المطابقة ، والبخل من الصفات المذمومة التي نهى الله تعالى عنها ، فكيف يجوز أن يدعو عليهم بذلك؟
قلنا: قوله { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } عبارة عن عدم المكنة من البذل والإعطاء ، ثم إن عدم المكنة من الاعطاء تارة يكون لأجل البخل وتارة يكون لأجل الفقر ، وتارة يكون لأجل العجز ، فكذلك قوله { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } دعاء عليهم بعدم القدرة والمكنة؛ سواء حصل ذلك بسبب العجز أو الفقر أو البخل ، وعلى هذا التقدير فإنه يزول الاشكال .
المسألة الثالثة: قوله { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } فيه وجهان: الأول: أنه دعاء عليهم ، والمعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء كما علمنا الاسثناء في قوله { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ } [ الفتح: 27 ] وكما علمنا الدعاء عللى المنافقين في قوله { فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } [ البقرة: 10 ] وعلى أبي لهب في قوله { تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } [ المسد: 1 ] الثاني: أنه إخبار . قال الحسن: غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة ، أي شدت إلى أعناقهم جزاءً لهم على هذا القول .
فإن قيل: فإذا كان هذا الغل إنما حكم به جزاءً لهم على هذا القول ، فكان ينبغي أن يقال: فغلت أيديهم .
قلنا: حذف العطف وإن كان مضمرًا إلا أنه حذف لفائدة ، وهي أنه لما حذف كان قوله { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } كالكلام المبتدأ به ، وكون الكلام مبتدأ به يزيده قوة ووثاقة؛ لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره ، ونظير هذا الموضع في حذف فاء التعقيب قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } [ البقرة: 67 ] ولم يقل: فقالوا أتتخذنا هزوًا . وأما قوله { وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } قال الحسن عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار .
ثم قال تعالى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } .
واعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات ، فإن الآيات الكثيرة من القرآن ناطقة بإثبات اليد ، فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد . قال تعالى: { يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح: 10 ] وتارة بإثبات اليدين لله تعالى: منها هذه الآية ، ومنها قوله تعالى لإبليس الملعون { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } [ ص: 75 ] وتارة بإثبات الأيدي . قال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما } [ ياس: 71 ] .
إذا عرفت هذا فنقول اختلفت الأمة في تفسير يد الله تعالى ، فقالت المجسمة: إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد ، واحتجوا عليه بقوله تعالى: