فهرس الكتاب

الصفحة 2606 من 8321

{ ألَهُمْ أرجل يمشون بها أم لهم أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } [ الأعراف: 195 ] وجه الاستدلال أنه تعالى قدح في إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء ، فلو لم تحصل لله هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إلها ، ولما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له قالوا وأيضًا اسم اليد موضوع لهذا العضو ، فحمله على شيء آخر ترك للغة ، وإنه لا يجوز .

واعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم ، والدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة والسكون ، وهما محدثان ، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو متناه في المقدار ، وكل ما كان متناهيًا في المقدار فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو مؤلف من الأجزاء ، وكل ما كان كذلك كان قابلًا للتركيب والانحلال ، وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما يركّبه ويؤلفه ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى جسمًا ، فيمتنع أن تكون يده عضوًا جسمانيًا .

وأما جمهور الموحدين فلهم في لفظ اليد قولان: الأول: قول من يقول: القرآن لما دلّ على إثبات اليد لله تعالى آمنا به ، والعقل لما دل على أنه يمتنع أن تكون يد الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والأبعاض آمنا به ، فأما أن اليد ما هي وما حقيقتها فقد فوضنا معرفتها إلى الله تعالى ، وهذا هو طريقة السلف .

وأما المتكلمون فقالوا: اليد تذكر في اللغة على وجوه: أحدها: الجارحة وهو معلوم ، وثانيها: النعمة ، تقول: لفلان عندي يد أشكره عليها ، وثالثها: القوة قال تعالى { أُوْلِى الأيدى والأبصار } [ ص: 45 ] فسروه بذوي القوى والعقول ، وحكى سيبويه أنهم قالوا: لا يد لك بهذا ، والمعنى سلب كمال القدرة ورابعها: الملك ، يقال: هذه الضيعة في يد فلان ، أي في ملكه . قال تعالى: { الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } [ البقرة: 237 ] أي يملك ذلك ، وخامسها: شدة العناية والاختصاص . قال تعالى: { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } [ ص: 75 ] والمراد تخصيص آدم عليه السلام بهذا التشريف ، فإنه تعالى هو الخالق لجميع المخلوقات . ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمن له شيئًا .

إذا عرفت هذا فنقول: اليد في حق الله يمتنع أن تكون بمعنى الجارحة ، وأما سائر المعاني فكلها حاصلة . وههنا قول آخر ، وهو أن أبا الحسن الأشعري C زعم في بعض أقواله أن اليد صفة قائمة بذات الله تعالى ، وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء قال: والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه علة لكرامة آدم واصطفائه ، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة لامتنع كونه علة للاصطفاء ، لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات ، فلا بدّ من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء ، وأكثر العلماء زعموا أن اليد في حق الله تعالى عبارة عن القدرة وعن النعمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت