فهرس الكتاب

الصفحة 2607 من 8321

فإن قيل: إن فسرتم اليد في حق الله تعالى بالقدرة فهذا مشكل؛ لأن قدرة الله تعالى واحدة ونص القرآن ناطق بإثبات اليدين تارة ، وبإثبات الأيدي أخرى ، وإن فسرتموها بالنعمة فنص القرآن ناطق بإثبات اليدين ، ونعم الله غير محدودة كما قال تعالى: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم: 34 ] [ النحل: 18 ] .

والجواب: إن اخترنا تفسير اليد بالقدرة كان الجواب عن الاشكال المذكور أن القوم جعلوا قولهم { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } كناية عن البخل ، فأجيبوا على وفق كلامهم ، فقيل { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من البخل ، بل هو جواد على سبيل الكمال . فإن من أعطى بيده أعطى على أكمل الوجوه ، وأما إن اخترنا تفسير اليد بالنعمة كان الجواب عن الاشكال المذكور من وجهين: الأول: أنه نسبة بحسب الجنس ، ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين أنواع لا نهاية لها ، فقيل: نعمتاه نعمة الدين ونعمة الدنيا ، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن ، أو نعمة النفع ونعمة الدفع ، أو نعمة الشدة ونعمة الرخاء . الثاني: أن المراد بالنسبة المبالغة في وصف النعمة ، ألا ترى أن قولهم ( لبيك ) معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة ، وكذلك ( سعديك ) معناه مساعدة بعد مساعدة ، وليس المراد منه طاعتين ولا مساعدتين . فكذلك الآية: المعنى فيها أن النعمة متظاهرة متتابعة ليست كما ادعى من أنها مقبوضة ممتنعة .

ثم قال تعالى: { يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } أي يرزق ويخلق كيف يشاء ، إن شاء قتر ، وإن شاء وسع . وقال { وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى الأرض ولكن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء } [ الشورى: 27 ] وقال { يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ } [ الرعد: 26 ] وقال { قل الّلهم مالك الملك } إلى قوله { وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الخير } [ آل عمران: 26 ] .

واعلم أن هذه الآية رد على المعتزلة ، وذلك لأنهم قالوا: يجب على الله تعالى إعطاء الثواب للمطيع ، ويجب عليه أن لا يعاقبه ، ويجب عليه أن لا يدخل العاصي الجنة ، ويجب عليه عند بعضهم أن يعاقبه ، فهذا المنع والحجر والقيد يجري مجرى الغل ، فهم في الحقيقة قائلون بأن يد الله مغلولة وأما أهل السنة فهم القائلون بأن الملك ملكه ، وليس لأحد عليه استحقاق ، ولا لأحد عليه اعتراض كما قال { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الأرض جَمِيعًا } [ المائدة: 17 ] فقوله سبحانه: { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة ، والحمد لله على الدين القويم والصراط المستقيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت