فهرس الكتاب

الصفحة 2617 من 8321

إذا ثبت هذا فنقول: المعطوف على اسم «إن» يجوز انتصابه بناء على إعمال هذا الحرف ، ويجوز ارتفاعه أيضًا لكونه في الحقيقة مبتدأ محدثًا عنه ومخبرًا عنه .

طعن صاحب «الكشاف» فيه وقال: إنما يجوز ارتفاعه على العطف على محل ( إن واسمها ) بعد ذكر الخبر ، تقول: إن زيدًا منطلق وعمرًا وعمرو بالنصب على اللفظ ، والرفع على موضع ( إن ) واسمها ، لأن الخبر قد تقدم ، وأما قبل ذلك الخبر فهو غير جائز ، لأنا لو رفعناه على محل ( إن واسمها ) لكان العامل في خبرهما هو المبتدأ ، ولو كان كذلك لكان العامل في خبرهما هو الابتداء ، لأن الابتداء هو المؤثر في المبتدأ والخبر معًا ، وحينئذٍ يلزم في الخبر المتأخر أن يكون مرفوعًا بحرف ( إن ) وبمعنى الاتبداء فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان ، وأنه محال .

وأعلم أن هذا الكلام ضعيف ، وبيانه من وجوه: الأول: أن هذه الأشياء التي يسميها االنحويون: رافعة وناصبة ليس معناها أنها كذلك لذواتها أو لأعيانها ، فإن هذا لا يقوله عاقل ، بل المراد أنها معرفات بحسب الوضع والاصطلاح لهذه الحركات ، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد غير محال ، ألا ترى أن جميع أجزاء المحدثات دالة على وجود الله تعالى .

والوجه الثاني: في ضعف هذا الجواب أنه بناه على أن كلمة ( أن ) مؤثرة في نصب الإسم ورفع الخبر ، والكوفيون ينكرون ذلك ويقولون: لا تأثير لهذا الحرف في رفع الخبر ألبتة ، وقد أحكمنا هذه المسألة في سورة البقرة .

والوجه الثالث: وهو أن الأشياء الكثيرة إذا عطف بعضها على البعض فالخبر الواحد لا يكون خبرًا عنها ، لأن الخبر عن الشيء عبارة عن تعريف حاله وبيان صفته ، ومن المحال أن يكون حال الشيء وصفته عين حال الآخر وصفته ، لامتناع قيام الصفة الواحدة بالذوات المختلفة .

وإذا ثبت هذا ظهر أن الخبر وإن كان في اللفظ واحدًا إلا أنه في التقدير متعدد ، وهو لا محالة موجود بحسب التقدير والنية ، وإذا حصل التعدد في الحقيقة لم يمتنع كون البعض مرتفعًا بالحرف والبعض بالابتداء ، وبهذا التقدير لم يلزم اجتماع الرافعين على مرفوع واحد . والذي يحقق ذلك أنه سلم أن بعد ذكر الاسم وخبره جاز الرفع والنصب في المعطوف عليه ، ولا شك أن هذا المعطوف إنما جاز ذلك فيه لأنا نضمر له خبرًا ، وحكمنا بأن ذلك الخبر المضمر مرتفع بالاتبداء .

وإذا ثبت هذا فنقول: إن قبل ذكر الخبر إذا عطفنا اسمًا على حكم اسم صريح العقل أنه لا بدّ من الحكم بتقدير الخبر ، وذلك إنما يحصل بإضمار الأخبار الكثيرة ، وعلى هذا التقدير يسقط ما ذكر من الالتزام والله أعلم .

المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بيّن أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا ، بين أن هذا الحكم عام في الكل ، وأنه لا يحصل لأحد فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا ، وذلك لأن الإنسان له قوتان: القوة النظرية ، والقوة العملية ، أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف الحق ، وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير ، وأعظم المعارف شرفًا معرفة أشرف الموجودات وهو الله سبحانه وتعالى ، وكمال معرفته إنما يحصل بكونه قادرًا على الحشر والنشر ، فلا جرم كان أفضل المعارف هو الإيمان بالله واليوم الآخر ، وأفضل الخيرات في الأعمال أمران: المواظبة على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود ، والسعي في إيصال النفع إلى الخلق كما قال E:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت